فلما فرغ المعتضد من أمر (وصيف) سار إلى (المصبصة) . وأحضر رؤساء طرسوس فقبض عليهم لأنهم كاتبوا وصيفة؛ وأمر بإحراق مراكب طرسوس التي كانوا يغزون فيها؛ فاحرقت و جميع الاتها، و كان من جملتها نحوا من خمسين مركبة قديمة أنفق عليها من الأموال ما لا يحمى؛ ولا يمكن عمل مثلها؛ فأضر ذلك بالمسلمين؛ رفت في أعضادهم؛ وساعد الروم على الغزو في البحر. وكان إحراقها بإشارة (دميانة غلام باز مار) لشيء كان في نفسه على أهل طرسوس. واستعمل المعتضد على أهل الثغور (الحسن بن علي كورة) ثم عاد إلى انطاكية وحلب وغيرها. فلما كانت السنة التالية (288 ه = 901 م) وجه (الحسن بن علي كورة) قوة الصائفة بقيادة صاحبه
نزار بن محمد الغزو بلاد الروم .. فغزا؛ وفتح حصونا كثيرة للروم؛ وعاد ومعه الأسرى. ثم أن الروم ساروا في البر والبحر الى ناحية (كبسوم) فأخذوا من المسلمين أكثر من خمسة عشر الف أسير - وعادوا بهم إلى بلادهم.
حدث في عهد أمير المؤمنين (المكتفي بالله) (*) - في سنة 291 ه = 903 م أن أخرج الروم عشرة صلبان مع كل صليب عشرة آلاف رجل لغزو ثغور المسلمين. فقصد جماعة منهم إلى الحدث) فأغاروا وسبوا وأحرقوا. فسار المعروف (بغلام زرافة) من طرسوس نحو بلاد الروم؛ ففتح مدينة أنطاكية - وهي تعادل القسطنطينية عندهم - وفتحها بالسيف عنوة؛ فقتل خمسة آلاف رجل؛ وأسر مثلهم، واستنقذ من أسارى المسلمين خمسة آلاف، وأخذ لهم ستين مركبة، فحمل فيها ما غنم لهم من الأموال والمتاع والرقيق. وقدر نصيب كل رجل ألف دينار. واستبشر المسلمون بذلك؛ ورد الروم على ذلك في السنة التالية (292 ه = 904 م) بإغارة تولى قيادتها
اندرونقس الرومي) فهاجم مرعش ونواحيها؛ فنفر أهل المصيصة وأهل طرسوس؛ فأصيب جماعة من المسلمين.
(*) المكتفي بالله - أبو محمد علي بن المعتضد بالله - السابع عشر بين خلفاء بني العباس (299. 295 ه = 877 - 107 م) بويع باقلافة سنة 290 ه. فكانت مدة خلافته ست سنين وسبعة أشهر، بويع من بعده المقتدر بالله أبو الفضل جعفر بن المعتضد.