ضعف أمر سيف الدولة بعد تلك الملاحم الكبار التي طير فيها لب العدو ومزقها. إذ قامت الروم فعبرت الروم نهر الفرات؛ لقصد الجزيرة، وأغلق أهل الموصل الأسواق، واجتمعوا في المسجد الجامع لذلك؛ ومضوا إلى (ناصر الدولة الحمداني) فضمن لهم الغزو. ووردت الكتب من بغداد أن الرعية أغلقت الأسواق، وذهبوا إلى باب الخلافة ومعهم كتاب يشرح مصيبة حلب؛ وضجوا؛ فخرج إليهم الحاجب، وأوصل الكتاب إلى الخليفة فقرأه، ثم خرج إليهم فعرفهم أن الخليفة ربکي، وأنه قال: «بان ما جرى قد غمني؛ وأنتم تعلمون أن سيفي - معز الدولة البويهي - وأنا أرسله في هذا، فقالوا: لا نقنع إلا بخروجك أنت؛ وأن تكتب إلى سائر الآفاق؛ رتجمع الجيوش؛ وإلا فانعزل لنولي غيرك، فغاظه كلامهم. ثم وجه إلى دار معز الدولة؛ فركب ومعه الأتراك، فصرفهم صرفا قبيحة. ثم جاءت الأخبار بموت طاغية الروم. وأن الخلف واقع بينهم فيمن يملكونه، فطمع عسكر طرسوس؛ ودخلوا أرض الروم في عدة وافرة؛ وأوقعوا بالروم ونصروا عليهم؛ وعادوا بغنائم لم ير من دهر مثلها؛ فلما رجعوا ووصلوا إلى الدرب؛ إذا هم بالبطريق (ابن الملايني) على الدرب؛ فاقتتلوا
طوال النهار؛ ونصر المسلمون. وبلغ (سيف الدولة) أيضا اختلاف الروم؛ فبادر؛ و دوخ الأعمال وأحرق؛ وحصل من السبي اكثر من ألفين؛ ومن المواشي مائة ألف رأس، وفرح المؤمنون بالنصر والاستظهار على العدو. ثم توجه سيف الدولة غازية بعد شهرين؛ فسار على (حران) وعطف على (ملطية) فملأ يديه سبية وغنائم؛ وعاد إلى حلب. رد (الدمستق على ذلك في السنة التالية(353 ه = 914 م) فقاد جيشه وألقى الحصار على (المصبصة) وقاتل أهلها ونقب سورها، واشتد قتال أهلها على النقب حتى دفعهم عنه أهلها بعد قتال عظيم؛ وأحرق الروم رستاقها - ريفها - ورستاق أذنة وطرسوس بسبب اقدام أهلها على مساعدة أهل المصيصة أثناء حصارها، فقتل من المسلمين خمسة عشر ألف رجل؛ وأقام الروم في بلاد الإسلام خمسة عشر يوما لم بقصدهم أحد. ثم عادوا؛ وذلك بعد أن أرسل (الدمستق) إلى أهل المصيصة وأذنة و طرسوس: هاني منصرف عنكم لا لعجز؛ ولكن لضيق العلوفة وشدة الغلاء؛ وأنا عائد إليكم؛ فمن انتقل منكم فقد نجا؛ ومن وجدته بعد عودي قتلته ..