عيون التفاسير، ج 4، ص: 69
ولا يهربون منا، قوله (أَفَمَنْ يُلْقى فِي النَّارِ) معذبا (خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيامَةِ) نزل في أبي جهل وأصحابه ومحمد عليه السّلام ومؤمنيه وعيدا ووعدا «1» ، ثم قال لكفار مكة توبيخا وتهديدا (اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [40] أي عالم أي عالم بعملكم من الخير والشر فيجازيكم به، وأبدل من «إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ» (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ) أي بالقرآن من قومك، وخبر «إِنَّ» طعنوا به محذوفا، وقوله (لَمَّا جاءَهُمْ) ظرف له، أي طعنوا به حين جاءهم (وَإِنَّهُ) أي والحال أن القرآن (لَكِتابٌ عَزِيزٌ) [41] محمى بحماية اللّه تعالى عن الاختلاف والتناقض والباطل.
[سورة فصلت (41) : آية 42]
(لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ) أي لا يصل إليه شيء يبطله أو يغيره (مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ) أي من كل وجه، وهو مثل في أن الباطل لا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات حتى يتصل إليه، وأما من تأوله من المبطلين فقد قيض اللّه قوما من العلماء عارضوه «2» بابطال تأويلهم وإفساد أقاويلهم، وهذا كقوله «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ» «3» ، فلم تزده «4» معارضتهم إلا إعجازا، لأنه (تَنْزِيلٌ) أي منزل (مِنْ حَكِيمٍ) أي من عليم بأمره (حَمِيدٍ) [42] أي محمود في فعله فلا طعن فيه أحد إلا محق وهلك.
[سورة فصلت (41) : آية 43]
(ما يُقالُ) أي ما يقول (لَكَ) كفار قومك يا محمد من التكذيب بما جئتهم به والطعن (إِلَّا) مثل (ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ) من التكذيب والطعن (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ) لمن تاب عن ذلك (وَذُو عِقابٍ أَلِيمٍ) [43] لمن لم يتب عنه.
[سورة فصلت (41) : آية 44]
وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُءَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولئِكَ يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ (44)
قوله (وَلَوْ جَعَلْناهُ) نزل حين قالوا حسدا هلا نزل القرآن بلغة العجم «5» ، فقال تعالى لو جعلناه، أي القرآن (قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا) بلسان العبرانية مثلا (لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ) أي بينت ولخصت بلسان نفهمه، أي بالعربية (ءَأَعْجَمِيٌّ) أي القرآن (وَعَرَبِيٌّ) أي والرسول أو المرسل إليه عربي وهو جماعة العرب فكان تكذيبهم أشد، قرئ بهمزتين، إحديهما استفهام، أي لا يستفهموا منكرين وبهمزة واحدة «6» إخبارا بأن القرآن أعجمي، والمرسل أو المرسل إليه عربي، فبأي طريقة جاءتهم الآيات أنكروا وطعنوا، لأنهم تابعون أهواءهم لا الحق، وقيل: ال «أَعْجَمِيٌّ» بسكون العين من لا يفصح، أي لا يفهم كلامه وإن كان عربيا وليس بنسبة «7» ، والياء لتأكيد معنى الصفة كأحمري في أحمر (قُلْ) يا محمد (هُوَ) أي القرآن (لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً) من الضلالة (وَشِفاءٌ) لما في الصدور، أي القلوب من الشكوك والجهل، قوله «8» (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) عطف على قوله «لِلَّذِينَ آمَنُوا» ، أي هو للذين لا يصدقون به (فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ) أي ثقل منه لا يسمعونه ولا يقبلونه، ويجوز أن يكون في محل الرفع مبتدأ، وخبره «فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ» بتقدير منه (وَهُوَ) أي القرآن (عَلَيْهِمْ) أي على الذين لا يؤمنون به (عَمًى)
(1) اختصره المؤلف من السمرقندي، 3/ 185؛ والبغوي، 5/ 69.
(2) عارضوه، وي: عارضوهم، ح.
(3) الحجر (15) ، 9.
(4) تزده، ح و: نزده، ي.
(5) نقله عن الكشاف، 5/ 201.
(6) «أأعجمي» : قرأ قالون وأبو عمرو وأبو جعفر بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع إدخال ألف بينهما، وابن كثير وابن ذكوان وحفص ورويس بتحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير إدخال، ولورش وجهان، أحدهما كابن كثير والآخر إبدالها حرف مد مع الإشباع للساكنين، وهشام باسقاط الأولى وتحقيق الثانية - البدور الزاهرة، 284.
(7) أخذ المصنف هذا الرأي عن الكشاف، 5/ 202.
(8) قوله، ح:- وي.