عيون التفاسير، ج 3، ص: 127
[سورة الحج (22) : آية 8]
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ) أي في دينه (بِغَيْرِ عِلْمٍ) أي علم ضروري وهو العلم العقلي (وَلا هُدىً) أي بلا حجة موصلة إلى المعرفة (وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ) [8] أي وحي واضح منزل للبيان، بل يجادل بالظن بلا تحقيق، وهو النضر بن الحارث، وكرره ردعا للجاهل عن الجدال.
[سورة الحج (22) : الآيات 9 الى 10]
قوله (ثانِيَ عِطْفِهِ) نصب على الحال من ضمير «يُجادِلُ» ، أي لاويا جانبه عن طاعة ربه بكبره معرضا على الإيمان به (لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) بفتح الياء، أي ليعرض عن دين الإسلام، فاللام للعاقبة، لأن جداله يؤدي إلى الضلال، فجعل كأنه غرضه، وقرئ بضم الياء «1» ، أي ليصرف الناس عن دين اللّه (لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ) أي عذابه، فقتل النضر ببدر صبرا أو محبوسا بغير قتال (وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ) [9] وهو عذاب النار، أي ما أصابه في الدنيا لم يكن كفارة لذنوبه ويقال له يوم القيامة (ذلِكَ) أي هذا العذاب (بِما قَدَّمَتْ) أي عملت (يَداكَ) أي نفسك بكفرك وتكذيبك محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم (وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [10] أي لا يعذب أحدا بغير ذنب أبدا، قيل: هذا من قولهم ظالم لعبده وظلام لعبيده، فيلزم منه نفي كل ظلم عن اللّه تعالى لكل عبد من العبيد لدخول صيغة المبالغة الدالة على الأنواع المقابلة بصيغة الجمع الدالة على الاستغراق باللام تحت النفي العام «2» .
[سورة الحج (22) : آية 11]
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ) أي على وجه الرياء أو على شك، حال من ضمير «يَعْبُدُ» ، أي متزلزلا، قيل: نزل في أناس من بني أسد، أصابتهم شدة فاحتملوا العيال وقدموا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأسلموا من غير اعتقاد صحة الإسلام فأغلوا الأسعار بالمدينة فرجعوا إلى كفرهم الأول «3» (فَإِنْ أَصابَهُ خَيْرٌ) أي صحة وسلامة في نفسه وماله أو سعة وغنيمة (اطْمَأَنَّ بِهِ) أي سكن إليه، وقال: نعم الدين دين محمد عليه السّلام (وَإِنْ أَصابَتْهُ فِتْنَةٌ) أي محنة وضيق في المعيشة (انْقَلَبَ عَلى وَجْهِهِ) أي جهته، يعني رجع إلى كفره، وقال: بئس بالدين دين محمد، فقال تعالى (خَسِرَ الدُّنْيا وَالْآخِرَةَ) أي غبنهما بذهاب ماله وبذهاب ثوابه (ذلِكَ) أي رجوعه عن الإسلام (هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ) [11] وهو ذهاب دينه وخلوده في النار.
[سورة الحج (22) : آية 12]
(يَدْعُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي يعبد من غيره (ما لا يَضُرُّهُ) «4» إن لم يعبده (وَما لا يَنْفَعُهُ) حقيقة إن عبده (ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) [12] عن الهداية لا يرجى زواله.
[سورة الحج (22) : آية 13]
(يَدْعُوا) تأكيد للأول بيانا لاستمرار كفره ولا يتعلق ب «لمن» بعد، لأنه قسم، تقدير الكلام: يدعو يدعو من دون اللّه الآية واللّه (لَمَنْ ضَرُّهُ) إن عبده (أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ) إن استنفعه بادعاء الشفاعة له، ف «من» مبتدأ بمعنى الذي و «ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ» صلته (لَبِئْسَ الْمَوْلى) خبره وهو الناصر (وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ) [13] أي الصاحب المعاشر، إذ لا ينفعه في الآخرة.
(1) «ليضل» : قرأ المكي والبصري ورويس بفتح الياء وغيرهم بضمها - البدور الزاهرة، 213.
(2) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها.
(3) نقله المؤلف عن السمرقندي، 2/ 387.
(4) أي،+ ح.