عيون التفاسير، ج 3، ص: 81
[سورة مريم (19) : آية 86]
(وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ) أي العاصين (إِلى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [86] جمع وارد فيساقون إليها رجالة عطاشا قد تقطعت أعناقهم من العطش، وأصل الوارد من الورود إلى الماء والوارد على الماء يكون عطشان.
[سورة مريم (19) : الآيات 87 الى 88]
لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ إِلاَّ مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (87) وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا (88)
قوله (لا يَمْلِكُونَ الشَّفاعَةَ) أي المؤمنون والمجرمون، كلهم نصب على الحال (إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ) في الدنيا (عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا) [87] أي عقدا موثقا بأن آمن وعمل صالحا فيستحق به دخول الجنة، وقيل: هو الشهادتان «1» ، وقيل: من عهد الأمير بكذا إلى فلان إذا أمر به، أي لا يشفع إلا المأمور بالشفاعة من أهل الإيمان «2» ، ومحل «مَنِ اتَّخَذَ» رفع بدل من واو «يَمْلِكُونَ» (وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا) [88] أي اليهود والنصارى.
[سورة مريم (19) : آية 89]
(لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) [89] أي منكرا، وأصله بالكسر والفتح «3» العجب، يعني بل لهم يا محمد لقد قلتم قولا عظيما منكرا، وقيل: كذبا وزورا «4» لقولكم اتخذ اللّه ولدا.
[سورة مريم (19) : آية 90]
تَكادُ السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبالُ هَدًّا (90)
(تَكادُ) بالتاء والياء «5» ، أي تقرب (السَّماواتُ يَتَفَطَّرْنَ) أي يتشققن (مِنْهُ) أي من قولهم، قرئ بالتاء وبالنون «6» من تفطر أو من انفطر (وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ) أي تتصدع أجزاؤها أو تنخسف (وَتَخِرُّ الْجِبالُ) أي تسقط أو تنطبق عليهم (هَدًّا) [90] أي كسرا.
[سورة مريم (19) : الآيات 91 الى 92]
قوله (أَنْ دَعَوْا) مفعول له، أي لأن سموا (لِلرَّحْمنِ وَلَدًا) [91] فالدعاء بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين، حذف الثاني ليعم بكل ما دعى له ولدا أو من دعا بمعنى نسب، أي لأجل أن نسبوا له ولدا، وقيل:
«أَنْ دَعَوْا» فاعل «هدا» ، أي هد الجبال دعاؤهم للرحمن ولدا «7» ، ثم نفى عن نفسه الولد فقال (وَما يَنْبَغِي لِلرَّحْمنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا) [92] انبغى مطاوع بغي إذا طلب، أي لا يستقيم له تعالى اتخاذ الولد لعدم حاجته إليه وعدم مجانسته لشيء ما.
[سورة مريم (19) : آية 93]
(إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي ما كل من فيهما (إِلَّا آتِي الرَّحْمنِ عَبْدًا) [93] ف «إِنْ» بمعنى النفي كما، و «كُلُّ» مبتدأ، خبره «آتِي» ، و «مَنْ» نكرة موصوفة لوقوعها بعد «كُلُّ» ، والمعنى: سيأتي جميع الخلائق يوم القيامة إلى الرحمن خاضعا ذليلا مقرا بالعبودية كالملائكة وعيسى وعزير وغيرهم، يعني يلتجئون إلى ربوبيته منقادين كما يفعل العبيد للملوك فلا يليق به اتخاذ الولد منهم.
[سورة مريم (19) : آية 94]
(لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا) [94] أي لقد ضبط عليهم أعمالهم وعلم عددها وحفظها خيرهم وشرهم لا يفوته شيء من أحوالهم ليجازيهم بما استحقوا من الجزاء.
(1) نقل المؤلف هذا الرأي عن الكشاف، 4/ 22.
(2) أخذه عن الكشاف، 4/ 22.
(3) نقل المفسر هذه القراءة عن الكشاف، 4/ 22.
(4) قد أخذه المؤلف عن السمرقندي، 2/ 334.
(5) «تكاد» : قرأ نافع والكسائي بياء التذكير، والباقون بتاء التأنيث - البدور الزاهرة، 201.
(6) «ويتفطرن» : قرأ البصريان وخلف وحمزة وابن عامر وشعبة بنون ساكنة بعد الياء التحتية مع كسر الطاء مخففة، والباقون بتاء فوقية مفتوحة بعد الياء مع فتح الطاء وتشديدها - البدور الزاهرة، 201.
(7) أخذ المصنف هذا الرأي نقلا عن الكشاف، 4/ 23.