عيون التفاسير، ج 4، ص: 214
الصلوة التي فيها ذكر اللّه أو إلى الخطبة (وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي اتركوا البيع والشراء، فهو من قبيل الاكتافاء، وفيه إيماء إلى ترك كل ما يذهل عن ذكر اللّه من شواغل الدنيا، وخص ذكر «الْبَيْعَ» من بينها، لأن يوم الجمعة يوم يجتمع الناس فيه من كل «1» أوب من قراهم وبواديهم، فاذا انتفخ النهار تحر «2» التجارة ويتكاثر البيع والشراء، قيل: «إذا زالت الشمس يوم الجمعة حرم البيع» «3» ، وقيل: «حرم في الأذان عند خروج الإمام إلى المنبر» «4» ، وقيل: «عند النداء يوم الجمعة بالصلوة حتى تقضى لكن العقد جائز» «5» ، لأنه منهي لغيره كالوضوء بالماء المغصوب (ذلِكُمْ) أي ترك البيع والسعي إلى الصلوة واستماع الخطبة (خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [9] أنه كذلك، قال عليه السّلام:
«خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط إلى الأرض، وفيه تقوم الساعة، وهو عند اللّه يوم المزيد» «6» ، أي يوم يزيد فيه الخير، وعنه صلّى اللّه عليه وسلم: «ان للّه في كل يوم جمعة ستمائة ألف عتيق من النار» «7» ، وعنه صلّى اللّه عليه وسلّم: «من مات يوم الجمعة كتب اللّه له أجر شهيد ووقى فتنة القبر» «8» .
[سورة الجمعة (62) : آية 10]
ثم بين وقت الإباحة فقال (فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ) لحوائجكم (وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) أي اطلبوا إن شئتم من رزقه وهو طلب الحلال وطلب العلم (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا) باللسان (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [10] بالدخول إلى الجنة.
[سورة الجمعة (62) : آية 11]
قوله (وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً) نزل حين قدم دحية الكبي بالعير مع بر وشعير من الشام، وكان في المدينة قحط شديد، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يخطب في الجمعة، وسمع القوم صوت الطبل فانفضوا إليه، فما بقي عنده عليه السّلام إلا اثنا عشر رجلا أو أحد عشر أو ثمانية أو أربعون «9» ، فأخبر تعالى أنهم إذا رأوا تجارة، أي تجارة دحية (أَوْ لَهْوًا) أي صوت الطبل (انْفَضُّوا) أي ذهبوا عنك (إِلَيْها) إي إلى التجارة، ولم يقل إليهما لأن المطلوب عندهم هو التجارة أو هو من قبيل الاكتفاء، إذ التقدير: إذا رأوا تجارة انفضوا إليها أو لهوا انفضوا إليه فحذف أحدهما لدلالة الآخر عليه (وَتَرَكُوكَ قائِمًا) أي في الخطبة (قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ) أي الذي عنده من الثواب أو من الرزق المقدر (خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ) لكم (وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) [11] لأنه لم يكن يفوتكم الرزق منه تعالى، روي عن النبي عليه السّلام: «والذي نفسي بيده لو خرجوا جميعا لأضرم اللّه عليهم الوادي نارا» «10» ، قيل: لو بقي الإمام وحده أو مع أقل من ثلاثة يستأنف الظهر إذا نفروا عنه قبل الركوع عند أبي حنيفة رحمه اللّه، وعند باقي العلماء إذا كبروهم معه مضى فيها «11» .
(1) من كل، وي:- ح.
(2) تحر، وي: تجر، ح.
(3) عن الضحاك، انظر البغوي، 5/ 378؛ وانظر أيضا السمرقندي، 3/ 363 (عن الحسن) .
(4) عن الزهري، انظر السمرقندي، 3/ 363؛ والبغوي، 5/ 378.
(5) عن ابن عباس، انظر السمرقندي، 3/ 363.
(6) أخرجه مسلم، الجمعة، 17، 18؛ وأبو داود، الصلوة، 207؛ والترمذي، الصلوة، 354؛ وانظر أيضا الكشاف، 6/ 113.
(7) انظر الكشاف، 6/ 113 - ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها.
(8) روى أحمد بن حنبل نحوه، 2/ 176؛ وانظر أيضا الكشاف، 6/ 113.
(9) اختصره المفسر من السمرقندي، 3/ 363؛ والكشاف، 6/ 115؛ وانظر أيضا الواحدي، 352.
(10) انظر الكشاف، 6/ 115 - ولم أعثر عليه بهذا اللفظ في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها.
(11) هذه الأقوال منقولة عن الكشاف، 6/ 115.