عيون التفاسير، ج 3، ص: 110
[سورة الأنبياء (21) : آية 30]
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا) بالواو بعد الألف الاستفهامية وبغير الواو «1» ، أي ألم يخبروا في الكتاب (أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا) أي جنساهما (رَتْقًا) أي شيئا مرتوقا فهو مصدر بمعنى المفعول أو ذات رتق بمعنى ملتزقتين منضمتين (فَفَتَقْناهُما) أي ففرقناهما «2» وأبنا إحديهما عن الأخرى بالهواء فجعلنا السماء سبعا والأرض سبعا وعلم الكفار ذلك بكتابهم وهو القرآن المعجز، فوجب تصديقه، وقيل: «رتقهما وفتقهما أن السموات كانت لا تمطر فأمطرت، وإن الأرض كانت لا تنبت فأنبتت» «3» (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ) أي الماء النازل من السماء، يعني جعلنا الماء سببا لحيوة كل شيء حي، والنبات داخل فيه، فدلهم بذلك على توحيده ولذا قال بعده (أَفَلا يُؤْمِنُونَ) [30] أي أفلا يوحدون بعد رؤية هذه العجائب.
[سورة الأنبياء (21) : آية 31]
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ) جمع راسية، من رسا إذا ثبت، أي جبالا ثوابت (أَنْ تَمِيدَ) أي لأن لا تميل، فحذف «لا» لأمن اللبس، وقيل: كراهة أن تميد «4» (بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها) أي في الأرض والرواسي (فِجاجًا) أي أودية واسعة، والفج هو الشق بين الجبلين (سُبُلًا) أي طرقا، بدل من «فِجاجًا» ، وهي في الأصل وصف ل «سبيلا» لقوله لتسلكوا منها سبلا فجاجا، أي طرقا واسعة لكنه قدم هنا على السبل إيذانا بأنه تعالى خلقها على تلك الصفة، فالسبل بيان لما أبهم ثمه (لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) [31] أي لكي يهتدوا إلى مصالحهم.
[سورة الأنبياء (21) : الآيات 32 الى 33]
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا) عن استراق السمع بالشهب أو عن الوقوع عليهم كقوله «وَيُمْسِكُ السَّماءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ» «5» (وَهُمْ) أي الكفار (عَنْ آياتِها) أي آيات السماء من الشمس والقمر والنجوم (مُعْرِضُونَ) [32] أي عن الاستدلال بها بالنظر فيها على صانعها، فيتركون الشرك ويوحدون اللّه الذي هو أهل التوحيد، وأوضح ذلك بقوله (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ) أي الظلمة والضوء والنيرات كلها (كُلٌّ فِي فَلَكٍ) أي في «6» جنس الفلك وهو السماء وكل مستدير فلك في كلام العرب، و «كُلٌّ» مسبتدأ، وخبره (يَسْبَحُونَ) [33] أي كل واحد منها في مجاريها يسيرون بسرعة أو «كُلٌّ فِي فَلَكٍ» مبتدأ وخبر، و «يَسْبَحُونَ» الجملة في محل النصب على الحال من الشمس والقمر لا غير لاختصاص السباحة بهما.
[سورة الأنبياء (21) : الآيات 34 الى 35]
قوله (وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ) نزل حين قال المشركون: إن محمدا يموت فيشمتون بموته «7» ، فنفى اللّه عنه الشماتة بالموت، فقال قضى اللّه أن لا يخلد في الدنيا بشر لا أنت ولا هم، فاذا كان كذلك فان مت أنت أيبقي هؤلاء وهو معنى قوله (أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) [34] أي أفهم الخالدون إن مت، فأنكر الخلود لهم، لأن كل البشر عرضة للموت، وأوضح ذلك بقوله (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ) أي
(1) «أَ وَلَمْ يَرَ» : قرأ المكي بحذف الواو والباقون باثباتها.
البدور الزاهرة، 210.
(2) أي ففرقناهما، وي: أي فرقناهما، ح.
(3) ذكر عكرمة وعطية نحوه، انظر البغوي، 4/ 48؛ وانظر أيضا السمرقندي، 2/ 366.
(4) نقل المؤلف هذا المعنى عن السمرقندي، 2/ 367.
(5) الحج (22) ، 65.
(6) في، و:- ح ي.
(7) اختصره المفسر من السمرقندي، 2/ 367؛ والكشاف، 4/ 60.