فهرس الكتاب

الصفحة 604 من 1316

عيون التفاسير، ج 2، ص: 310

[سورة النحل (16) : آية 35]

(وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي أهل مكة على سبيل الاستهزاء (لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ) يعني أنه شاء عبادتنا آلهة غيره، فلو لم يشأ ما عبدناهم (نَحْنُ وَلا آباؤُنا) عطف على فاعل «عَبَدْنا» ، أي ولا عبد آباؤنا من قبل (وَلا حَرَّمْنا مِنْ دُونِهِ) أي سوى تحريم اللّه (مِنْ شَيْءٍ) يعني البحيرة والسائبة والوصيلة والحامي، فلو لا أن اللّه رضيها لنا لغيرها ولهدانا إلى غيرها، ثم قال تعالى تسلية للنبي عليه السّلام وتصبيرا له على تكذيبهم (كَذلِكَ) أي مثل ذلك الفعل (فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من تكذيب الرسل أو الإشراك والتحريم والتحليل، فلما نبهوا على قبح فعلهم أحالوا ذلك التحريم والتحليل على ربهم فأهلكهم اللّه تعالى (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) [35] أي ليس على الرسل إلا تبليغ الرسالة بالبيان والبرهان أن اللّه لا يشاء الشرك والمعاصي مشية الرضا، وإنما يشاء منهم التوحيد والطاعة، وليس عليهم الهداية والقسر على الإيمان.

[سورة النحل (16) : آية 36]

ثم قال لكفار مكة حثا على الإيمان والطاعة وتهديدا عن التكذيب بالرسول عليه السّلام (وَلَقَدْ بَعَثْنا فِي كُلِّ أُمَّةٍ) أي في كل جماعة قبلكم (رَسُولًا) كما بعثنا فيكم (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ) أي وحدوه وأطيعوه (وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) أي عبادة الشيطان والصنم وغيرهما من دون اللّه (فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ) أي لطف بهم وأرشدهم إلى دينه الإسلام (وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ) أي وجبت (عَلَيْهِ الضَّلالَةُ) أي الشقاوة بترك اللطف بالقضاء السابق حتى مات على كفره (فَسِيرُوا) يا أهل مكة «1» (فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ) [36] بالرسل حتى لا يبقى لكم شبهة فيما أفعل بهم من إهلاكهم وتخريب منازلهم بالعذاب.

[سورة النحل (16) : آية 37]

فلما قرأ النبي عليه السّلام هذه الآية عليهم فلم يؤمنوا لعنادهم تأسف بتركهم الإيمان فنزل قوله «2» (إِنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ) أي على إيمانهم يا محمد (فَإِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ) أي لا يلطف من يخذله، لأنه قد علم أنه ليس أهلا لذلك فيكون عبثا، قرئ لا يهدي معلوما والفاعل «اللَّهَ» ، ومجهولا ومرفوعه «مَنْ يُضِلُّ» «3» ، ولا خلاف في «يُضِلُّ» أنه بضم الياء وكسر الضاد - قال ابن عباس معناه: «من يضلله اللّه لا يهدي» «4» ، يعني لا يهديه أحد (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) [37] أي مانعون من نزول العذاب بهم وهو يدل على أن المراد بالإضلال الخذلان، لأنه نقيض النصرة.

[سورة النحل (16) : آية 38]

قوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ) عطف على قوله «وَقالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) للجمع بين الكفرين العظيمين في التدوين والحكاية بهما، وهما إسناد ذنوبهم على مشية اللّه وإنكارهم البعث بالأقسام عليه، أي وحلفوا باللّه (جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) وهو اسم اليمين باللّه عندهم، لأنهم كانوا في الجاهلية يحلفون بالأصنام وبآبائهم وبغير ذلك، وإذا حلفوا باللّه سموه جهد اليمين، يعنون أنها أغلظ الأيمان وآكدها فيما يقسم به فحلفوا باللّه (لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ) لإنكارهم البعث، فرد اللّه عليهم بقوله (بَلى) أي نعم يبعثهم اللّه، لأن «بَلى» إثبات لما بعد النفي (وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا) أي وعد البعث، وأوجبه على نفسه وعدا حقا، أي إيجابا صدقا لا خلف فيه (وَلكِنَّ أَكْثَرَ

(1) يا أهل مكة، ب س:- م.

(2) أخذه المفسر عن السمرقندي، 2/ 235.

(3) «لا يهدي» : قرأ المدنيان والمكي والبصريان والشامي بضم الياء وفتح الدال وألف بعدها، والباقون بفتح الياء وكسر الدال وياء بعدها - البدور الزاهرة، 179.

(4) انظر السمرقندي، 2/ 235.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت