عيون التفاسير، ج 2، ص: 10
[سورة الأنعام (6) : آية 23]
(ثُمَّ لَمْ تَكُنْ) بالياء والتاء ورفع «1» (فِتْنَتُهُمْ) أي قولهم أو معذرتهم، اسم «كان» (إِلَّا أَنْ قالُوا) في محل النصب خبر «كان» ، وبنصب «2» «فِتْنَتُهُمْ» «3» خبر «كان» واسمها «أَنْ قالُوا» عكس الأول، أي ثم لا تكون «4» ضلالتهم ونفاقهم إلا قولهم (وَاللَّهِ رَبِّنا) بجر الباء صفة ل «اللّه» ، وبنصبها «5» نداء، وجواب القسم (ما كُنَّا مُشْرِكِينَ) [23] بك شيئا، قالوا بهذا الكذب حيرة ودهشة من غير تمييز بين النافع وغير النافع.
[سورة الأنعام (6) : آية 24]
قال اللّه تعالى لمحمد عليه السّلام تعجيبا «6» من حالهم (انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) أي كيف صار وبال كذبهم على نفوسهم (وَضَلَّ) أي غاب (عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) [24] في الدنيا من ألوهية أصنامهم وشفاعتها لهم.
[سورة الأنعام (6) : آية 25]
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25)
قوله (وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) نزل في شأن النضر الذي كان يخبر أهل مكة بقصص المتقدمين وسيرهم، فقالوا له: ما ترى فيما يقول محمد؟ قال: ما أدري ما يقول وما أفهم شيئا منه، ولا أرى إلا أنه من أساطير الأولين كحديث رستم واسفنديار «7» ، وهذا غاية في التكذيب، فقال تعالى تجهيلا لهم ومنهم من يستمع إلى حديثك وقراءتك (وَجَعَلْنا عَلى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً) أي أغطية (أَنْ يَفْقَهُوهُ) محله نصب على أنه مفعول له، أي لئلا يفهموا القرآن (وَفِي آذانِهِمْ وَقْرًا) أي ثقلا وصمما لئلا يسمعوه، يعني جعالناهم كأنهم مجبولون على ذلك، فلا ينفعهم استماعهم لحسدهم وسوء نيتهم (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ) أي علامة دالة على صدقك (لا يُؤْمِنُوا بِها حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ) أي يخاصمونك بالباطل ويدحضون به الحق وهو القرآن، ويقولون إنه ليس من اللّه (يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا) أي ما القرآن (إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ) [25] أي أكاذيب المتقدمين، جمع أسطورة، وهي التي سطرت في القرطاس مما لا نظام له من البسابس.
[سورة الأنعام (6) : آية 26]
قوله (وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ) نزل في شأن أبي طالب وأصحابه من أهل مكة، كان يقول للنبي عليه السّلام حين عرض عليه الإسلام: لو لا أن تعيرني قريش بالإسلام لأقررت بدينك، ولكني أذب عنك ما دمت حيا «8» ، فقال تعالى هم، أي بعض أهل مكة ينهون الناس، يعني قريشا عن إيذاء محمد عليه السّلام (وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ) أي ويتباعدون عن اتباع دينه، وقيل: نزل في حق المشركين «9» ، أي أنهم ينهون الناس عن أن يتبعوا النبي والقرآن ويبعدون عن ذلك، فهم يضلون ويضلون (وَإِنْ يُهْلِكُونَ) أي ما ينلكون (إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ) [26] بهلاكهم.
(1) «لم تكن فتنتهم» : قرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو وشعبة وخلف بتأنيث «تكن» ونصب «فتنتهم» ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص بالتأنيث والرفع، وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب بالتذكير والنصب - البدور الزاهرة، 101.
(2) وبنصب، ب م: ونصب، س.
(3) «فتنتهم» ، م: الفتنة، ب س.
(4) لا تكون، ب س: لا يكون، م.
(5) «ربنا» : قرأ الأخوان وخلف بنصب الباء، والباقون بجرها - البدور الزاهرة، 101.
(6) تعجيبا، ب م: تعجبا، س.
(7) عن الكلبي، انظر البغوي، 2/ 347؛ وانظر أيضا السمرقندي، 1/ 479؛ والواحدي، 180 - 181 (عن ابن عباس) .
(8) أخذه المصنف عن البغوي، 2/ 348؛ وانظر أيضا السمرقندي، 1/ 479؛ والواحدي، 181.
(9) عن محمد بن الحنفية والسدي والضحاك، انظر الواحدي، 181؛ والبغوي، 2/ 348.