عيون التفاسير، ج 2، ص: 160
[سورة التوبة (9) : آية 114]
ثم قال تعالى بيانا لعذر إبراهيم في الاستغفار لأبيه (وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ) أي أباه بقوله «لأستغفرن لك إن تؤمن» ، ووعدها أبوه إبراهيم وهي أن يسلم وكان إبراهيم يستغفر له رجاء أن يؤمن، لأن العقل لا يأباه (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) أي ظهر لإبراهيم بالوحي (أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ) حين مات على الكفر (تَبَرَّأَ مِنْهُ) أي أعرض عن الاستغفار لأبيه آزر بعد موته على الكفر (إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ) أي كثير الدعاء ملح فيه أو كثير التأوه، يعني كان يقول «آه» تضرعا وخشوعا، وأصل الأوه الرجوع في الشيء والتردد فيه (حَلِيمٌ) [114] أي متجاوز عن جهل الجاهل وذنب من أساء له.
[سورة التوبة (9) : آية 115]
قوله (وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ) الآية نزل بيانا لعذر من خاف المؤاخذة في عمل الأشياء المباحة بالعقل قبل ورود النهي عنه «1» كشرب الخمر والصلوة إلى القبلة الأولى وبيع الصاع بالصاعين والاستغفار للمشركين قبل التحريم حين سألوا النبي عليه السّلام عنها، فقال تعالى لم يكن اللّه أن يحكم بضلالة قوم وخذلانهم ويعاقبهم على ذنب لا يعرف بالعقل بعد زمان هدايتهم للإسلام (حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ) أي يعلمهم (ما يَتَّقُونَ) أي الذي يجب اتقاؤه للنهي، فاذا أعلمهم بأنه ذنب يؤاخذهم اللّه «2» لو يقدموا «3» على ارتكابه، وأما قبل الإعلام بذلك فلا يخذلهم ولا يؤاخذهم، قيل: في هذه الآية دلالة على أن المهدي للإسلام إذا أقدم على بعض محظورات اللّه داخل في حكم الإضلال والخذلان «4» (إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [115] مما يصلح للخلق وما لا يصلح لهم.
[سورة التوبة (9) : آية 116]
(إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) يحكم في أهلهما بما يشاء فيأمر بشيء، ثم يأمر بغيره ويقر ما يشاء ثبوته فلا ينسخه (يُحْيِي وَيُمِيتُ) أي شأنه الإحياء والإماتة في الدنيا (وَما لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي من غيره (مِنْ وَلِيٍّ) أي قريب ينفعكم شيئا من عذاب اللّه (وَلا نَصِيرٍ) [116] أي مانع يمنعكم منه، وفيه ترغيب في الجهاد كيلا يمتنعوا عنه حذر الموت والقتل.
[سورة التوبة (9) : آية 117]
قوله (لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ) نزل حين أذن النبي عليه السّلام للمنافقين في التخلف «5» ، فقال تعالى عفا اللّه عنك لم أذنت لهم، فكأنه قال أخطأت في هذا الأذن ومال الفريقان إلى التخلف عن الذهاب معه في الطريق إلى غزوة تبوك لشدة الحر وقلة الزاد والماء والظهر، أي تجاوز اللّه عن خطأ النبي عليه السّلام وعن ذنوبهم لما أصابهم من الشدة في ذلك الطريق، ثم وصفهم بقوله (الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ) أي في وقت الشدة لغزوة تبوك، وسموا «6» جيش العسرة لقلة الظهر، قيل: كان العشرة يعتقبون على البعير الواحد «7» ولقلة الزاد والماء وشدة الحر حتى كاد تنقطع أعناقهم عطشا فاتبعوا النبي عليه السّلام في ذلك الوقت
(1) أخذه المفسر عن الكشاف، 2/ 216؛ وانظر أيضا البغوي، 3/ 118.
(2) فاذا أعلمهم بأنه ذنب يؤاخذهم اللّه، ب س:- م.
(3) لو يقدموا، ب: لو تقدموا، س، ويقدموا، م.
(4) وهذا الرأي منقول عن الكشاف، 2/ 216.
(5) أخذه عن السمرقندي، 2/ 78؛ وانظر أيضا البغوي، 3/ 118.
(6) لغزوة تبوك وسموه، ب س: لغزو تبوك وسموا، م.
(7) نقله المؤلف عن البغوي، 3/ 119.