عيون التفاسير، ج 4، ص: 18
مقام معلوم في السماء يعبد فيه ولا يتجاوزه إلا باذن، أي لا نستطيع أن نزل عنه ظفرا خشوعا لعظمته أذلاء بين يديه فكيف يكون جنسية بيننا وبينه تعالى كما روي: فمنهم راكع لا يقيم صلبه وساجد لا يرفع رأسه «1» .
[سورة الصافات (37) : الآيات 165 الى 169]
(وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ) [165] أقدامنا للصلوة خاشعين خاضعين أو الصافون حول العرش (وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) [166] أي نسبح اللّه تعالى عما لا يليق بجلاله ونمجده كما يجب على العباد لربهم فلا نكون مناسبين لرب العزة أصلا، قوله (وَإِنْ كانُوا) «إِنْ» مخففة من الثقيلة واللام في (لَيَقُولُونَ) [167] هي الفارفة بينها وبين «إن» النافية، نزل حين قال كفار مكة لو كان لنا كتاب مثل اليهود والنصارى لكنا نؤمن مخلصين «2» ، فلما جاءهم محمد صلّى اللّه عليه وسلّم بالقرآن كفروا فأخبر تعالى بأنهم كانوا يقولون (لَوْ أَنَّ عِنْدَنا ذِكْرًا) أي كتاب (مِنَ) كتب (الْأَوَّلِينَ) [168] الذين نزل عليهم التورية أو الإنجيل (لَكُنَّا عِبادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ) [169] أي لأخلصنا العبادة للّه.
[سورة الصافات (37) : آية 170]
(فَكَفَرُوا بِهِ) أي بالقرآن وهو سيد الأذكار والكتب، إذ هو معجز من بينها (فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) [170] عاقبة كفرهم وتكذيبهم وما حل بهم من الانتقام في الدنيا والآخرة.
[سورة الصافات (37) : الآيات 171 الى 173]
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ (173)
(وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا) أي عدتنا بالنصر (لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ) [171] والكلمة التي هي العدة، قوله (إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ [172] وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ) [173] أي المؤمنون منهم الغالبون على الكفار بالحجة في الدنيا والعزة في الآخرة وإن انهزموا وغلبوا في بعض المشاهد «3» في أثناء الحال.
[سورة الصافات (37) : آية 174]
(فَتَوَلَّ عَنْهُمْ) أي أعرض عن كفار مكة وعن أذاهم (حَتَّى حِينٍ) [174] أي حين تؤمر فيه «4» بالقتال، فنسخت بآية القتال «5» .
[سورة الصافات (37) : الآيات 175 الى 182]
سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (182)
(وَأَبْصِرْهُمْ) إذا نزل بهم العذاب هنا من القتل والأسر والعقوبة في الآخرة (فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) [175] أي يبصرونك وما يقضى لك من النصرة والغلبة والثواب في العاقبة وفي الأمر للنبي عليه السّلام بأبصارهم على الحال الموعودة الدلالة على أنها كائنة لا محالة وتسلية له، وفي «سوف يبصرون» تهديد شديد لهم ليتوبوا، فثم قال الكفار متى ينزل العذاب بنا يا محمد استهزاء واستعجالا فنزل «6» (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) [176] لزيادة التخويف، أي أفبعذاب مثلي وأنا رب العزة يستعجلون (فَإِذا نَزَلَ بِساحَتِهِمْ) أي العذاب بقربهم وحضرتهم (فَساءَ) أي يقال بئس (صَباحُ الْمُنْذَرِينَ) [177] أي بئس الصباح صباح من أنذر بالعذاب وكذب به فلم يؤمن، روي: أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لما نزل بقرب خيبر قال: «اللّه أكبر هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح
(1) أخذه عن الكشاف، 5/ 128 129.
(2) لعل المفسر أخذه عن الكشاف، 5/ 129.
(3) المشاهد، ح و: المشاهدة، ي.
(4) فيه، وي: فيهم، ح.
(5) عن مقاتل بن حيان، انظر البغوي، 4/ 584؛ وانظر أيضا هبة اللّه بن سلامة، 76؛ وابن الجوزي، 48 - 49 (عن قتادة وابن زيد) .
(6) أخذه عن البغوي، 4/ 584.