فهرس الكتاب

الصفحة 1105 من 1316

عيون التفاسير، ج 4، ص: 133

[سورة الحجرات (49) : الآيات 3 الى 4]

قوله (إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ) نزل مدحا فيمن خفض صوته عند النبي عليه السّلام مخافة أن يحبط عمله، وهو ثابت بن قيس لأنه كان يرفع الصوت لديه عليه السّلام «1» ، أي أن الذين يخفضون (أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) إجلالا له (أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ) أي جرب وحقق (اللَّهِ) باختباره بالمحن والشدائد والاصطبار عليها «2» (قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى) أي كائنة لها مختصة بها، واللام للاختصاص أو «امْتَحَنَ» بمعنى أخلص، من امتحن الذهب إذا أذابه ليتميز إبريزه من خبيثه، يعني أخلص قلوبهم ونقاها من الشهوات إظهارا للتقوى وهي صد النفس عن مرادها السوء واللام للتعليل (لَهُمْ مَغْفِرَةٌ) لذنوبهم (وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) [3] أي ثواب وافر في الجنة، روي: أن وفد بني تميم أتوا رسول اللّه عليه السّلام قوت الظهيرة وهو راقد، فجعلوا ينادونه يا محمد اخرج إلينا فاستيقظ فخرج فانزعج بهم، فسئل رسول اللّه عليه السّلام عنهم فقال: «هم حفاة بني تميم لو لا أنهم من أشد الناس قتالا للأعور الدجال لدعوت اللّه عليهم أن يهلكهم» فنزل ذما «3» (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ) أي من خلفها، جمع حجرة وهي أرض يحجر عليها بحائط ونحوه، والمراد حجرات نساء النبي عليه السّلام، فكل من جاءه من الأعراب ينادي من خلف حجرة منها، وجمعت تعظيما لشأنه عليه السّلام و «مِنْ» لابتداء الغاية وخبر «إِنَّ» (أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [4] حرمة النبوة، لأنهم نادوه من ظاهر الدار بجفاء وغلظة، ففيه تنبيه على قدره والتأدب معه عليه السّلام لكل حال وهو أن يجلسوا على بابه ولا يدقوا عليه بابه حتى يخرج لقضاء حاجته احتراما له عليه السّلام.

[سورة الحجرات (49) : آية 5]

(وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا) أي لو ثبت صبرهم (حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ) الصبر (خَيْرًا لَهُمْ) وأحسن لأدبهم ويعلم من «حَتَّى» الدالة على الغاية المضروبة لصبرهم أن ليس لهم أن يقطعوا أمرا دون الانتهاء إليها (وَاللَّهُ غَفُورٌ) لمن تاب عن النداء من خلف الحجرة (رَحِيمٌ) [5] لمن أطاع الأمر، وقيل: سبب نزول هذه الآية أن النبي عليه السّلام بعث أسامة بن زيد إلى قبيلة بني العنبر ليغزوها فأغار عليهم وسبى ذراريهم، فجاء جماعة منهم ليشتروا أسراءهم، فنادوه من وراء الحجرات بغلظة وكان وقت الظهيرة، أي وقت القيلولة وهو راقد، فلما خرج النبي عليه السّلام كلموه في أمر الذراري فقال لواحد منهم احكم أنت فقال حكمت أن تخلي نصف الذراري وتبيع النصف منا، ففعل النبي عليه السّلام كذلك فنزل الآية تنبيها على أنهم لو صبروا لكان خيرا لهم «4» ، يعني لو لم ينادوه لكان النبي عليه السّلام يعتقهم كلهم.

[سورة الحجرات (49) : آية 6]

قوله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) نزل حين بعث النبي عليه السّلام الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق ليقبض الصدقات، فخرجوا إليه ليعظموه فخشي منهم لما كان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فرجع إلى النبي عليه السّلام هاربا وقال إنهم منعوا الصدقة وهموا بقتلي، فهم رسول اللّه عليه السّلام أن يبعث لقتالهم فجاؤا إلى المدينة وقالوا: يا رسول اللّه لما بلغ خبر قدوم رسولك إلينا خرجنا أن نتلقاه بالتعظيم، فرجع عنا ونحن خشينا أن يكون رده كتاب أتاه منك، وإنا نعوذ باللّه من غضبه وغضب رسوله، فاغتم النبي عليه السّلام بما فعل الوليد وأرسل إليهم بعد

(1) عن أنس بن مالك، انظر البغوي، 5/ 196؛ وانظر أيضا السمرقندي، 3/ 261.

(2) عليها، ي:- ح و.

(3) أخذه المفسر عن الكشاف، 6/ 14.

(4) هذا مأخوذ عن السمرقندي، 3/ 262؛ وانظر أيضا البغوي، 5/ 197.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت