عيون التفاسير، ج 1، ص: 233
الْقاعِدِينَ) بغير عذر (أَجْرًا عَظِيمًا) [95] مصدر، لأنه «فضل» بمعنى آجر، أي آجرهم أجرا كبيرا في الجنة، والقاعدون بغير عذرهم الذين أذن لهم النبي عليه السّلام بالقعود اكتفاء بغيرهم، لأن الجهاد فرض كفاية.
[سورة النساء (4) : آية 96]
قوله (دَرَجاتٍ مِنْهُ) بدل من «أَجْرًا عَظِيمًا» ، ويجوز أن ينتصب «دَرَجاتٍ» مصدرا كنصب «درجة» ، أي فضلهم تفضيلات وينتصب «أَجْرًا عَظِيمًا» على أنه حال عن النكرة التي هي درجات مقدمة عليها، قوله (وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً) عطف على «دَرَجاتٍ» أو نصب بفعل محذوف، تقديره: غفر لهم مغفرة ورحمهم رحمة، وهذا الكلام من قوله «لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ» إلى قوله «وَرَحْمَةً» من باب الجمع والتقسيم (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا) لمن جاهد في سبيله من ذنوبه (رَحِيمًا) [96] يدخله الجنة برحمته أو رحيما لمن له العذر بتسويته في الفضل مع غيره.
[سورة النساء (4) : آية 97]
قوله (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ) أي قبضتم (الْمَلائِكَةُ) قيل: يجوز أن يكون ماضيا ويجوز أن يكون مستقبلا «1» ، أي تتوفيهم إن يمكنهم اللّه من استغناء أنفسهم فيستوفونها (ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ) نصب على الحال، أي في حال ظلمهم أنفسهم بالكفر وترك الهجرة بعد الإسلام والمقام في دار الشرك بعد وجوب الهجرة، نزل في شأن الذين أسلموا بمكة وتخلفوا عن الهجرة وخرجوا مع المشركين إلى بدر، فلما رأوا قلة المؤمنين وكثرة الكافرين شكوا وكفروا فقتل بعضهم «2» ، فأخبر تعالى عن حالهم بقوله حكاية عن الملائكة عند قبض أرواحهم (قالُوا) أي يقول لهم الملائكة توبيخا بأنهم لم يكونوا في شيء من الدين حيث قدروا على الهجرة ولم يهاجروا (فِيمَ كُنْتُمْ) أي في أي شيء كنتم من أمر دينكم فتركتم الهجرة (قالُوا) أي قال المتوفون معتذرين (كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ) أي عاجزين عن الهجرة (فِي الْأَرْضِ) أي في أرض مكة فثم (قالُوا) أي الملائكة لهم توبيخا بالاستفهام (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها) وقد كنتم قادرين على الخروج عنها فلم تخرجوا إلى بعض البلاد وهو المدينة (فَأُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) أي منزلهم النار (وَساءَتْ مَصِيرًا) [97] أي بئست مرجعا رجعوا إلى جهنم «3» ، وفيه دليل على أن من لم يستقم إقامة دينه في موضع يجب الهجرة عليه «4» إلى ما يتمكن فيه ذلك، قال عليه السّلام: «من فر بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرا من الأرض استوجبت له الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السّلام» «5» .
[سورة النساء (4) : آية 98]
قوله (إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ) استثناء من قوله «مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ» ، أي إلا المقهورين (مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) وإنما قرن بهم الولدان مع أنهم عاجزون لا يتوجه عليهم الوعيد لبيان أن الرجال والنساء صاروا في انتفاء الذنب عنهم بترك الهجرة للعجز بمنزلة الولدان، قوله (لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) يجوز أن يكون استئنافا، ويجوز أن يكون صفة ل «المستضعفين» بحكم زيادة حرف التعريف، أي لا يجدون سعة الخروج إلى المدينة لفقرهم وعدم قوتهم (وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا) [98] أي لا يعرفون طريقا إلى المدينة وغيرها.
[سورة النساء (4) : آية 99]
(فَأُولئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ) أي يتجاوز عن ذنوبهم و «عسى» من اللّه للوجوب (وَكانَ اللَّهُ عَفُوًّا)
(1) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف، 1/ 266.
(2) نقله عن السمرقندي، 1/ 380 - 381؛ وانظر أيضا الواحدي، 150؛ والبغوي، 2/ 137.
(3) إلى جهنم، م: إليها جهنم، ب س.
(4) عليه، ب م:- س.
(5) انظر الكشاف، 1/ 266 - ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها.