عيون التفاسير، ج 2، ص: 115
وحافظكم، فتوكلوا بولايته ونصرته (نِعْمَ الْمَوْلى) أي الحافظ (وَنِعْمَ النَّصِيرُ) [40] أي المعين المانع من العدو.
[سورة الأنفال (8) : آية 41]
وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)
قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ) نزل تعليما لقسمة الغنيمة الحاصلة من الكفار عنوة بقتال «1» ، أي الذي أخذتموه منهم بالقهر من شيء من الأموال حتى الخيط والمخيط، ف «ما» موصولة اسم «أن» «2» ، والعائد محذوف، و «مِنْ شَيْءٍ» بيانه، والخبر «3» (فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ) بفتح الهمزة محلها «4» مع ما بعدها رفع خبر مبتدأ محذوف، أي فالحكم أن للّه منه خمسه (وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى) أي ولأقاربه كبني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، لأن هؤلاء لم يفارقوه في الجاهلية والإسلام (وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) قيل: كان النبي عليه السّلام يؤتي بالغنيمة فيقسمها على خمسة أسهم، فيعطي أربعة منها لمن قاتل عليها، ثم يقسم الخمس الآخر خمسة أقسام فيأخذ قسما منها لنفسه ويعطي قسما لأقاربه والأقسام الثلاثة لليتامى والمساكين وابن السبيل، لكن أبا حنيفة رحمه اللّه أسقط قسم النبي عليه السّلام بموته، وخص قسم ذي القربى لفقرائهم دون أغنيائهم وما فضل يقسم على الطواف الثلاث، والشافعي رحمه اللّه يجعل قسم النبي عليه السّلام للجهاد ولما فيه قوة الإسلام، ويقسم قسم ذي القربى بين الفقير والغني على السوية لقرابتهم، لكنه يعطي الذكر مثل الانثيين، فعلى هذا كان ذكر اسم اللّه تبركا «5» ، وأضيف اسمه إلى المال تشريفا له، وجعل بعضهم الخمس على ستة أسهم، سهم للّه فيجعله للكعبة والباقي كما ذكر، فمن جعل الفيء والغنيمة واحدا، وهو ما أصابه المسلمون من الكفار جعل آية «قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ» «6» منسوخة بهذه الآية ومن جعله غير الغنيمة وهي المأخوذة من الكفار عنوة بالقتال، ويكون الفيء ما أصابوه من الكفار عن صلح بغير قتال فلا نسخ، قوله (إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ) شرط، جوابه محذوف يدل عليه «اعْلَمُوا» قبله، أي إن صدقتم باللّه وآياته فاعلموا وأقروا بحكمه أن قسمة الغنيمة كذلك، فالمراد من العلم المتضمن بالعمل والطاعة لا العلم المجرد، لأنه يستوي فيه المؤمن والكافر، قوله (وَما أَنْزَلْنا) عطف على قوله «بِاللَّهِ» ، أي إن كنتم آمنتم باللّه «7» وبما أنزلنا (عَلى عَبْدِنا) محمد عليه السّلام من الآيات والملائكة والنصر (يَوْمَ الْفُرْقانِ) أي يوم بدر، فرق فيه الحق من الباطل، وأبدل من «يَوْمَ الْفُرْقانِ» قوله (يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ) أي الفريقان من المؤمنين والكافرين (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [41] أي على نصرة المؤمنين وهزيمة الكافرين.
[سورة الأنفال (8) : آية 42]
إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)
قوله (إِذْ أَنْتُمْ) بدل أيضا من «يَوْمَ الْفُرْقانِ» والأوجه أن ينتصب «8» بفعل مقدر، أي اذكروا وقت كونكم (بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيا) بضم العين وكسرها «9» ، أي في شط الوادي القربى إلى جهة المدينة، فالدنيا تأنيث الأدنى (وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوى) أي البعدى عن المدينة مما يلي مكة، تأنيث الأقصى، والقياس القصيا كالدنيا والعليا، فثبوت
(1) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها.
(2) اسم أن، ب س:- م.
(3) والخبر، ب س:- م.
(4) محلها، ب س: ومحلها، م.
(5) اختصره المصنف من الكشاف، 2/ 168؛ وانظر أيضا السمرقندي، 2/ 19؛ والبغوي، 2/ 632.
(6) الأنفال (8) ، 1.
(7) أي إن كنتم آمنتم باللّه، ب م:- س.
(8) أن ينتصب، ب س: أن ينصب، م.
(9) «بالعدوة» : قرأ المكي والبصريان بكسر العين، والباقون بالضم - البدور الزاهرة، 131.