عيون التفاسير، ج 4، ص: 322
سورة القدر مدنية
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
[سورة القدر (97) : آية 1]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
(إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ) [1] أي أنزلنا القرآن فيها، وجاء بضميره وإن لم يجر له ذكر لشهرته، أي أنزله جبرائيل عليه السّلام جملة واحدة في ليلة القدر من اللوح إلى بيت العزة في السماء الدنيا باملائه على السفرة، ونسب الإنزال إلى نفسه تعالى تشريفا له، ثم أنزله جبرائيل عليه السّلام نجوما إلى الأرض على رسول اللّه في عشرين أو في ثلاث وعشرين سنة، وكان ابتداء نزوله في القدر، ومعناه: ليلة تقدير الأمور وقضائها، قيل:
سميت بها لأن اللّه تعالى يقدر في تلك الليلة ما هو كائن من السنة إلى السنة من الأجل والرزق والموت وغير ذلك «1» ، وهي موجودة في رمضان كل سنة، والأكثر أنها في العشر الأواخر منه في الأوتار، وأخفيت ليجتهد في العبادة ليالي رمضان طمعا في إدراكها وتكثيرا لثواب «2» العبادة فيها.
[سورة القدر (97) : الآيات 2 الى 3]
قوله (وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ) [2] تعظيم لها، يعني لم تبلغ أنت بمراتبك «3» غاية فضلها، ثم بين للنبي عليه السّلام علو قدرها بقوله (لَيْلَةُ الْقَدْرِ) أي قيامها والعبادة فيها (خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ) [3] أي من قيامها وصيامها ليس فيها ليلة القدر، قالت عائشة رضي اللّه عنه: «يا رسول اللّه لو وافيت ليلة القدر- أي وجدتها- فما أقول؟ - ف «ما» استفهام- قال: قولي اللهم إنك عفو فاعف عني» «4» .
[سورة القدر (97) : آية 4]
ثم بين ارتقاء فضلها إلى هذه الغاية بقوله (تَنَزَّلُ) أي تتنزل (الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ) أي جبرائيل إلى الأرض (فِيها) «5» من غروب الشمس إلى طلوع الشمس (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) أي بأمره تعالى، متعلق ب «تَنَزَّلُ» أو حال، ومفعوله (مِنْ كُلِّ أَمْرٍ) [4] أي كل خير وشر قدره اللّه، وهم يصلون ويسلمون على كل قائم أو قاعد يذكر «6» اللّه تعالى فيها.
[سورة القدر (97) : آية 5]
قوله (سَلامٌ هِيَ) مبتدأ وخبر، أي تلك الليلة ذات سلامة لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها شرا أو سميت سلاما لكثرة السّلام فيها من الملائكة على المؤمنين (حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ) [5] أي يسلم الملائكة من غروب الشمس إلى مطلع الفجر، ف «حَتَّى» متعلقة ب «سَلامٌ» ، قيل: ذكر للنبي عليه السّلام رجل من بني إسرائيل كان على عاتقه السلاح ألف شهر في سبيل اللّه بالصوم حتى مات فتمنى أن يكون ذلك لأمته، فأعطاه اللّه تعالى ليلة القدر وجعلها خيرا من ألف شهر ذكرت «7» ، يعني العمل فيها وثوابه، ثم قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه» «8» .
(1) أخذه المفسر عن السمرقندي، 3/ 496.
(2) لثواب، وي: ثواب، ح.
(3) بمراتبك، وي: لمراتبك، ح.
(4) رواه ابن ماجة، الدعاء، 5؛ وانظر أيضا البغوي، 5/ 606.
(5) أي،+ ح.
(6) يذكر، وي: يذكرون، ح.
(7) عن مجاهد، انظر الواحدي، 373 - 374؛ وانظر أيضا السمرقندي، 3/ 496.
(8) رواه مسلم، المسافرين، 175، 176؛ وانظر أيضا البغوي، 5/ 606.