عيون التفاسير، ج 1، ص: 133
النون وإخفاء حركة العين وبكسر النون والعين للاتباع والتشديد فيه اتفاق «1» ، أي فنعم الشيء شيئا الصدقة المعلنة، ف «نعم» فعل مدح، فاعله مضمر فيه، و «ما» نكرة بمعنى شيء، مفسرة للضمير المبهم، ويقصد به فعل الفاعل وهو الإبداء المعلوم بالذكر وهي خبر مبتدأ محذوف بتقدير المضاف عائد إلى الصدقة، كأنه قيل: ما الممدوح؟ فقيل: هي الصدقة، يعني إبداء الصدقة المفروضة (وَإِنْ تُخْفُوها) أي الصدقة (وَتُؤْتُوهَا) أي تعطوها (الْفُقَراءَ) سرا (فَهُوَ) أي فالإخفاء (خَيْرٌ لَكُمْ) من الإبداء وأفضل من الجهر وكل متقبل إذا صلحت النية، قيل:
«إعلان الفريضة أفضل من إخفائها بخمسة وعشرين ضعفا وصدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا» «2» ، قال عليه السّلام: «صدقة السر تطفئ غضب الرب» «3» ، وهذا محمول على التطوع، قوله (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ) بالنون والياء والجزم عطف على محل الجزاء، لأنه جواب الشرط وبالرفع على الاستئناف «4» ، أي ونحن نكفر أي نمحو عنكم (مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) أي جميع ذنوبكم على زيادة «من» أو هي تبعيض، لأنه يمحو بعض الذنوب بالتصدق في السر والعلانية (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [271] من التصدق في حالين فيجازيكم به.
[سورة البقرة (2) : آية 272]
قوله (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) أي التوفيق إلى الهداية للكفار، نزل حين كان المسلمون يمتنعون عن التصدق على كافر حتى يسلم «5» ، فقال تعالى للنبي: عليك يا محمد هداية البيان للدعوة كما في قوله «وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ» «6» ، وليس عليك هداية التوفيق للكافرين حتى يسلموا (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي) أي يرشد هداية التوفيق (مَنْ يَشاءُ) فيسلم، يعني لو أنفقت لأقربائك المشركين لكان ثواب نفقتك لك، فيه إيماء إلى أن الكفر لا يمنع صدقة التطوع، واختلف العلماء في الواجب، قال أبو حنيفة رضي اللّه عنه: يجوز إنفاق صدقة الفطر لأهل الذمة، ومنعه غيره «7» (وَما تُنْفِقُوا) أي أي شيء تتصدقوا (مِنْ خَيْرٍ) أي من مال (فَلِأَنْفُسِكُمْ) أي فثوابه لكم لا لغيركم (وَما تُنْفِقُونَ) أي لا تتصدقون «8» في طاعة اللّه (إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ) أي لطلب ثوابه (وَما تُنْفِقُوا) أي أي شيء تتصدقوا (مِنْ خَيْرٍ) في أهل الذمة وغيرهم (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) أي يعط ثوابه لكم وافرا مضاعفة، و «ما» هذه شرط و «يوف» مجزوم، جزاؤه (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) [272] شيئا من ثوابكم.
[سورة البقرة (2) : آية 273]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافًا وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (273)
قوله (لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا) صلة فعل محذوف أي أنفقوا لهم أو «9» خبر مبتدأ محذوف، أي صدقاتكم للفقراء الذين حبسوا نفوسهم (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في طاعته من الغزو وتلاوة القرآن والعبادة في المسجد، وهم أهل الصفة، كانوا مقدار أربعمائة يسكنون المسجد ويقرؤون القرآن ويعبدون ربهم «10» فيه ليلا ونهارا،
(1) «فنعما» : قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي وخلف بفتح النون وكسر العين، وقرأ ورش وابن كثير وحفص ويعقوب بكسر النون والعين، وقرأ أبو جعفر بكسر النون وإسكان العين، واختلف عن قالون والبصري وشعبة، فروي عنهم وجهان: الأول كسر النون واختلاس كسرة العين وهذا هو الذي ذكره الشاطبي، الثاني كسر النون وإسكان العين كقراءة أبي جعفر.
البدور الزاهرة، 55.
(2) عن ابن عباس، انظر الكشاف، 1/ 152.
(3) روي الترمذي نحوه، الزكوة، 28؛ وانظر أيضا البغوي، 1/ 391.
(4) «ويكفر» : قرأ نافع والأخوان وأبو جعفر وخلف بالنون وجزم الراء، وقرأ المكي والبصريان وشعبة بالنون ورفع الراء، وقرأ الشامي وحفص بالياء ورفع الراء - البدور الزاهرة، 56.
(5) عن الكلبي، انظر البغوي، 392.
(6) الشوري (42) ، 52.
(7) أخذه المؤلف عن الكشاف، 1/ 153.
(8) تتصدقون، ب س: يتصدقون، م.
(9) صلة فعل محذوف أي انفقوا لهم أو، م:- ب س.
(10) ربهم، س م: اللّه، ب.