عيون التفاسير، ج 1، ص: 155
رجل، قيل: كلمها جبرائيل شفاها إظهارا لنبوة عيسى عليه السّلام «1» .
[سورة آل عمران (3) : آية 43]
ثم أمرها بالصلوة بذكر القنوت والسجود لكونهما من هيئات الصلوة فقال (يا مَرْيَمُ اقْنُتِي) أي أطيعي (لِرَبِّكِ) وأطيلي القيام في الصلوة له تعالى (وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) [43] أي صلي مع المصلين، يعني مع الجماعة، ويحتمل أن يكون معناه: كوني مع الراكعين لا مع من لا يركع، لأن في زمانها كان من يقوم ويسجد ولا يركع، ولم يقل الراكعات «2» لعموم الراكعين الرجال والنساء على سبيل التغليب.
[سورة آل عمران (3) : آية 44]
(ذلِكَ) أي خبر يحيى وزكريا ومريم وعيسى (مِنْ أَنْباءِ الْغَيْبِ) أي من أخبار الغيب الذي لم تعرفها إلا بالوحي (نُوحِيهِ) أي الخبر (إِلَيْكَ) يا محمد، وفيه تعريض لمنكري الوحي ودلالة على نبوته حيث أخبر عما غاب عنه (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ) أي ولم تكن حاضرا عند الاخبار وقومك عالمون به، ونفي الحضور عن النبي عليه السّلام تهكم لمنكري «3» الوحي، لأنه معلوم لهم «4» ولعلمهم يقينا «5» أنه ليس من أهل السماع والقراءة (إِذْ يُلْقُونَ) أي يطرح الأحبار في بيت المقدس (أَقْلامَهُمْ) في الماء بالقرعة، وهي الأقلام التي يكتبون التورية بها (أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي ليعلموا أيهم يضمها إلى نفسه للتربية، يعني ما كنت عالما بذلك الخبر قبل هذا الوقت، وإنما تخبرهم بالوحي، وأكد ذلك «6» بقوله (وَما كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) [44] في أمر مريم من التكفل بها بالرغبة.
[سورة آل عمران (3) : آية 45]
قوله (إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ) بدل من «إِذْ قالَتِ» قبلها، أي اذكر وقت قولهم لمريم (يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ) أي يفرحك بولد مخلوق (مِنْهُ) أي من اللّه بأمره، وهو قوله «كن» فكان (اسْمُهُ الْمَسِيحُ) وهو المبارك، والضمير في «اسْمُهُ» راجع إلى المسمى بالكلمة لا إلى الكلمة، وهو مبتدأ، خبره «الْمَسِيحُ» ، وقيل: بمعنى الماسح «7» ، لأنه كان يمسح وجه الأعمى فيبصر، وسمي الدجال مسيحا بمعنى الممسوح، لأنه ذهبت إحدى عينيه، قوله (عِيسَى) عطف بيان للمسيح، وهو لقبه، قوله «8» (ابْنُ مَرْيَمَ) نعت لعيسى أو هو خبر مبتدأ محذوف «9» ، أي هو ابن مريم وإنما أضاف إليها إعلاما أنها تلد من غير أب، فلا ينسب إلا إلى أمه، وإنما جمع هذه الثلثة في الاسم، لأن الاسم علامة يعرف بها، فكأنه قيل يعرف به هذا الولد ويتميز عمن سواه مجموع هذه الثلثة، قوله (وَجِيهًا) حال من «الكلمة» ، أي صاحب قدر وجاه بالنبوة (فِي الدُّنْيا) أي بين الناس فيها (وَالْآخِرَةِ) أي ذا قدر في الآخرة بالشفاعة وارتفاع درجة «10» في الجنة (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [45] عند ربه بارتفاعه إلى السماء وصحبته الملائكة فيها.
[سورة آل عمران (3) : آية 46]
(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي صغيرا قبل وقت الكلام، روي: أنه كان «11» يحدث أمه وهو في بطنها إذا
(1) أخذه المؤلف عن الكشاف، 1/ 164؛ وانظر أيضا البغوي، 1/ 464.
(2) الراكعات، ب م: راكعات، س.
(3) لمنكري، ب م: بمنكري، س.
(4) لهم، م: له، ب س.
(5) يقينا، س م: هينا، ب.
(6) ذلك، س م:- ب.
(7) نقله المفسر عن السمرقندي، 1/ 268.
(8) قوله، ب م:- س.
(9) محذوف، م:- ب س.
(10) درجة، س م: الدرجة، ب.
(11) كان، ب م: كأنه، س.