فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 1316

عيون التفاسير، ج 2، ص: 186

[سورة يونس (10) : آية 90]

(وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ) أي عبرنا بهم منه وهو بحر النيل، وقيل: بحر قلزوم «1» (فَأَتْبَعَهُمْ) أي فلحقهم، يقال أتبعه فلان إذا أدركه ولحقه وتبعه واتبعه بالتشديد إذا سار خلفه واقتدى به، يعني أدركهم (فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا) أي ظلما في القول حيث قال «إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ» «2» (وَعَدْوًا) أي اعتداء في الفعل حيث قصد قتلهم، وذلك حين انفلق البحر لموسى وقومه بأمر اللّه تعالى لموسى أن اضرب بعصاك البحر، فضربه فصار اثني عشر طريقا يابسا، فلما وصل فرعون وجنوده إلى البحر هابوا دخوله، فتقدمهم جبرائيل على فرس وديق، وخاض البحر فاقتحمت خيولهم خلفه، فلما دخل آخرهم وهم أولهم أن يخرج انطلق عليهم الماء (حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ) أي فرعون (الْغَرَقُ) يعني غمره وقرب هلاكه (قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ) بالكسر على الاستئناف وبالفتح «3» مفعول «آمَنْتُ» ، أي إن الشأن (لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ) [90] أي على دينهم الإسلام أو أنا من المخلصين على التوحيد، كرر الإيمان ثلاث مرات حرصا على القبول ولم يقبل لأنه لم يكن وقت القبول.

[سورة يونس (10) : آية 91]

فقال تعالى خطابا لفرعون (آلْآنَ) أي أتؤمن الآن (وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ) أي قبل هذا الوقت (وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [91] أي الضالين المضلين، قيل: إيمان البأس غير مقبول «4» لقوله «فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنا» «5» ، وفي توبة البأس خلاف بين العلماء، والأصح قبولها لانبساط المعرفة السابقة بالإيمان في المؤمن بخلاف الكافر، فانه لا معرفة له مع ربه حتى ينبسط عن البأس فيرد إيمانه عليه، روي: أن جبرائيل عليه السّلام أخذ من طينة البحر فدسه في فيه وهو محمول على غضب اللّه على الكافر في وقت قد علم أن إيمانه لا ينفعه لا على معنى آخر يروى فيه «6» .

[سورة يونس (10) : آية 92]

ثم قال تعالى لفرعون (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ) من البحر (بِبَدَنِكَ) أي بجسدك لا روح فيه أو بدرعك، وكان له درع مشهور مرصع بالجواهر (لِتَكُونَ) يا فرعون (لِمَنْ خَلْفَكَ) أي لمن بعدك من الكفار المتمردين (آيَةً) أي عبرة لئلا يدعوا الربوبية، قيل: لما أخبر موسى قومه بهلاك فرعون وقومه قال بنو إسرائيل ما مات فرعون، فأمر اللّه البحر فألقاه ميتا على الساحل أحمر قصيرا كأنه ثور، فرآه بنو إسرائيل فصدقوا بموته، فمن ذلك الوقت لا يقبل الماء ميتا أبدا، فصار عظة للخلق «7» (وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا) وهي هلاك فرعون مع جنوده وإنجاء موسى مع قومه من البحر المغرق (لَغافِلُونَ) [92] أي لا يخافون فيعتبرون.

[سورة يونس (10) : آية 93]

ثم أخبر عن حال بني إسرائيل بعد هلاك أعدائهم بقوله (وَلَقَدْ بَوَّأْنا) أي نزلنا (بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ) أي منزل رفق وكرامة، وهو مصر والشام أو الأرض المقدسة (وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ) أي الحلالات من ميراث

(1) نقله عن السمرقندي، 2/ 109.

(2) الشعراء، (36) ، 54.

(3) «أنه» : قرأ حمزة والكسائي وخلف بكسر همزة «إنه» ، والباقون بفتحها - البدور الزاهرة، 151.

(4) هذا الرأي منقول عن مفاتيح الغيب، 17/ 124؛ وانظر أيضا السمرقندي، 3/ 175؛ والبغوي، 5/ 55؛ والكشاف، 3/ 191.

(5) غافر (40) ، 85.

(6) أخذه عن الكشاف، 3/ 24.

(7) نقله المؤلف عن الكشاف، 3/ 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت