عيون التفاسير، ج 1، ص: 147
عظم قدرته أيضا (وَأُولُوا الْعِلْمِ) أي وشهد ذوو «1» العلم بالاحتجاج على وحدانيته أيضا، وهم الأنبياء والمؤمنون الذين علموا توحيده وأقروا به اعتقادا صحيحا، فشبه دلالته على وحدانيته بأفعاله الخاصة التي لا يقدر عليها غيره وإقرار الملائكة وأولي العلم بذلك شهادة الشاهد في البيان والكشف قوله «2» (قائِمًا بِالْقِسْطِ) نصب على الحال المؤكدة من «اللّه» أو من «هو» كقوله تعالى «هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا» «3» لا من «الملائكة» و «أولي العلم» ، وإنما جاز ذلك مع امتناع جاء زيد وعمرو راكبا «4» لأمن اللبس، إذ القائم بالقسط من الصفات الخاصة به تعالى، أي مقيما بالعدل في قسمة الأرزاق والآجال والإثابة والمعاقبة وما يأمر به عباده وينهاه عنهم من «5» العدل والتسوية فيما بينهم ودفع الظلم عنهم، وهذه الحال دخلت في حكم شهادة اللّه والملائكة وأولي العلم كما دخلت الوحدانية، وقيل: إنها سيقت للمدح لا للتأكيد «6» ، وحق «ما» ينتصب على المدح أن يكون معرفة، وقد يجيء نكرة إذا اختصت (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [18] كرر المشهود به لتأكيد التوحيد ليوحدوه ولا يشركوا به شيئا، لأنه ينتقم عمن لا يوحد بما لا يقدر على مثله منتقم، ويحكم ما يريد على جميع خلقه لا معقب لحكمه لغلبته عليهم.
[سورة آل عمران (3) : آية 19]
(إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) بكسر «إن» على الاستئناف، أي إن الدين المرضي عند اللّه الإسلام، وهو التوحيد والعدل وبفتح «أن» «7» بدلا من «أنه لا إله إلا هو» ، أي وشهد الكل أن دين الحق هو دين الإسلام من بين الأديان (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا) أي أعطوا (الْكِتابَ) وهم اليهود والنصارى في هذا الدين ونبوة محمد عليه السّلام (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) أي في التورية أنه نبي حق، ودينه حق، فكذبوا وأشركوا بأن قالت النصارى: اللّه ثالث ثلثة، وقالت اليهود: عزير ابن اللّه، قوله (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) نصب مفعول له، أي للبغي والحسد وطلب الرياسة (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ) أي بالقرآن ومحمد عليه السّلام (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) [19] أي سريع المجازاة، لأنه عالم بجميع الأعمال لم يحتج إلى التذكر والتفكر أو سريع في محاسبة جميع الخلق، لأنه يحاسبهم في أقل من لمحة بحيث يظن كل أحد منهم أنه يحاسب نفسه فقط.
[سورة آل عمران (3) : آية 20]
فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (20)
(فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي خاصمك أهل الكتاب في الدين (فَقُلْ أَسْلَمْتُ) أي أخلصت (وَجْهِيَ) أي ديني وعلمي (لِلَّهِ) وخص الوجه بالذكر، لأنه أكرم أعضاء الرجل، ولأنه إذا تواضع وخضع بالوجه خضع بجميع أعضائه، قوله (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) باثبات الياء وحذفها وصلا، وبحذفها «* 7» وقفا في محل الرفع، عطف «8» على فاعل «أسلم» ، وجاز العطف من غير تأكيد للفصل، أي أسلمت وأسلم من اتبعني «9» وجوههم أيضا، قوله (وَقُلْ) أمر للنبي عليه السّلام بأن يقول بعد قيام المعجزة «10» على نبوته وصدق دين الرسلام (لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) وهم اليهود
(1) ذوو، ب م: ذوا، س.
(2) قوله، ب م:- س.
(3) البقرة (2) ، 91.
(4) راكبا، ب م: ركبا، س؛ وانظر أيضا الكشاف، 1/ 165.
(5) من، ب م: مثل، س.
(6) أخذه عن الكشاف، 1/ 165.
(7) «إن الدين» : قرأ الكسائي بفتح «إن» ، والباقون بكسرها - البدور الزاهرة، 61.
(* 7) «اتبعن» : قرأ المدنيان والبصري باثبات الياء وصلا وقرأ يعقوب باثباتها في الحالين، والباقون بحذفها وصلا ووقفا - البدور الزاهرة، 61.
(8) عطف، ب م:- س.
(9) من اتبعني، ب م: ومن تبعني، س.
(10) المعجزة، س: المعجز، ب م.