عيون التفاسير، ج 4، ص: 259
النزول، لأن جبين النبي عليه السّلام كان يتفصد عرقا وقت النزول من هيبته ولا يستطيع أن يتحرك حتى يسري عنه، وهو اعتراض لتأكيد قيام الليل الذي هو من التكاليف الصعبة بالقرآن، فلابد من مجاهدة للنفس المائلة إلى النوم والراحة فيه لمن أحياه لوجه اللّه.
[سورة المزمل (73) : الآيات 6 الى 7]
(إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ) أي ساعة قيامه بعد النوم (هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا) أي ثقلا على المصلي من ناشئة النهار، أي من ساعته، من نشأت للشيء، أي قمت لأجله، وقرئ «وطاء» بكسر الواو ومد الألف «1» ، أي أشد موافقة في الليل بين السمع والقلب على تفهم القرآن من الموافقة بينهما في النهار (وَأَقْوَمُ قِيلًا) [6] أي أصوب قولا وأخلص له وأسمع لفراغ القلب وهدؤا للأصوات «2» في الليل دون النهار (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحًا طَوِيلًا) [7] أي فراغا وتصرفا وافيا لقضاء حوائجه فيه ففرغ نفسك لصلوة الليل.
[سورة المزمل (73) : آية 8]
(وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ) أي دم على توحيد اللّه وذكره أو صل لربك ليلا ونهارا (وَتَبَتَّلْ) أي انقطع (إِلَيْهِ) أي إلى ربك عما سواه (تَبْتِيلًا) [8] أي تبتلا، واختاره لرعاية الفواصل، يعني أخلص إخلاصا في ذكرك وعبادتك.
[سورة المزمل (73) : آية 9]
رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)
قوله (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) بالرفع مبتدأ، خبره (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) وبالجر «3» بدل من «رَبِّكَ» (فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) [9] أي ناصرا وكفيلا بما وعد بالنصر على الكفار.
[سورة المزمل (73) : آية 10]
(وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ) من التكذيب والأذى (وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا) [10] أي اعتزلهم اعتزالا حسنا لا جزع فيه ولا فحش، قيل: نسخ هذا بآية السيف «4» .
[سورة المزمل (73) : آية 11]
وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11)
(وَذَرْنِي) أي دعني (وَالْمُكَذِّبِينَ) فأنا أكافيهم «5» وهم رؤساء قريش، يعني فوض أمورهم إلي، قوله (أُولِي النَّعْمَةِ) بالفتح صفة «الْمُكَذِّبِينَ» ، أي ذوي الغنا والتنعم الذي هو سبب غفلتهم، وقد جاء بالكسر بمعنى الإنعام وبالضم بمعنى المسرة «6» (وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) [11] أي إمهالا يسيرا فلم يمض على ذلك إلا زمان قليل حتى قتلوا ببدر.
[سورة المزمل (73) : آية 12]
(إِنَّ لَدَيْنا) أي عندنا (أَنْكالًا) أي قيودا ثقالا يضاد تنعمهم، جمع نكل بكسر النون وهو القيد، قيل: كلما ارتفعوا بها في جهنم بقوتهم استفلت الأنكال بهم لثقالتها وخفتهم إلى قعر جهنم «7» (وَجَحِيمًا) [12] أي عندنا نارا محرقة.
[سورة المزمل (73) : آية 13]
وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ وَعَذابًا أَلِيمًا (13)
(وَطَعامًا ذا غُصَّةٍ) أي ذا شوك يستمسك في الحلق فلا يسوغ فيها، وهو الضريع أو الغسلين (وَعَذابًا أَلِيمًا) [13] سوى ذلك.
(1) «وطأ» : قرأ البصري والشامي بكسر الواو وفتح الطاء وألف بعدها، والباقون بفتح الواو وإسكان الطاء.
البدور الزاهرة، 330.
(2) للأصوات، و: لأصوات، ح ي.
(3) «رب» : خفض الباء الشامي وشعبة ويعقوب والأخوان وخلف، ورفعها غيرهم - البدور الزاهرة، 330.
(4) أخذه عن الكشاف، 6/ 172؛ وانظر أيضا هبة اللّه ابن سلامة، 96؛ والبغوي، 5/ 473؛ وابن الجوزي، 58.
(5) أكافيهم، وي: أكافيكم، ح.
(6) أخذ المؤلف هذه القراءة عن الكشاف، 6/ 173.
(7) لعله اختصره من القرطبي، 19/ 46.