فهرس الكتاب

الصفحة 306 من 1316

عيون التفاسير، ج 2، ص: 14

والغذاء وطلب الرزق، يعني هي تشبهكم محفوظة أحوالها غير مهمل أمرها، والغرض من ذكر ذلك الدلالة على عظم قدرته تعالى ولطف علمه وسعة سلطانه وتدبيره، وقيل: «في المعرفة والتحيد» «1» ، وقيل: في التمييز بينهم، لأنها تعرف بأسمائها كبني آدم «2» (ما فَرَّطْنا) أي ما تركنا وما أغفلنا «3» (فِي الْكِتابِ) أي في اللوح المحفوظ (مِنْ شَيْءٍ) أي شيئا من الأشياء، ف «من» زائدة للتأكيد، يعني كل شيء ثابت فيه من غير نقصان، فلا يخفى علينا علمه وتدبيره (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) [38] أي الطيور والدواب كلها تحشر يوم القيامة إلى اللّه وينصف بعضها من بعض بعدله.

ثم يقول كوني ترابا فيتمنى الكافر أن لو كان ترابا، قيل: هذا على سبيل الحقيقة لا على وجه المثل، لأنه وإن لم يجر عليهم القلم في الأحكام لكن فيما بينهم مؤاخذون به كالعقلاء عند اللّه تعالى «4» .

[سورة الأنعام (6) : آية 39]

قوله (وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا) الدالة على آثار قدرتنا وعظمة ربوبيتنا، أي بالقرآن ومحمد عليه السّلام (صُمٌّ) أي ذو ثقل في آذانهم لا يسمعون خيرا (وَبُكْمٌ) أي خرس «5» لا يقولون خيرا، نزل حين أعرضوا عن الإيمان بعد نزول ما يدل على ربوبية اللّه ووجوب الإيمان به إظهارا لانقطاع لطفه عنهم وثبوت القساوة في قلوبهم لأخبر بأنهم «6» (فِي الظُّلُماتِ) أي في الضلالات البعيدة التي هي خواص أهل الطبع (مَنْ يَشَأِ اللَّهُ) ضلالته (يُضْلِلْهُ) أي يخذله، لأنه ليس من أهل اللطف فيموت على كفر (وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) [39] أي يلطف به فيستنقذه من الكفر فيموت على الإيمان.

[سورة الأنعام (6) : آية 40]

ثم قال تبكيتا لهم (قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ) بتحقيق الهمزتين وبابدال الثانية ألفا وبجعلها بين الهمزة والألف، وبحذف الثانية والتاء مفتوحة مع الكاف الزائدة لبيان الخطاب في الواحد والاثنين والجمع مذكرا كان المخاطب أو مؤنثا «7» ، ولا محل لها من الإعراب لكونها حرفا، والاستفهام فيه لطلب الرأي منهم، أي أخبروني عن عبادتكم الأصنام هل تنفعكم (إِنْ أَتاكُمْ) شرط، أي إن نزل بكم (عَذابُ اللَّهِ) في الدنيا (أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ) أي القيامة، وجواب الشرط محذوف، وهو من تدعون لدفع العذاب عنكم، ثم قال توبيخا لهم بالاستفهام (أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ) عند نزول عذاب الدنيا بكم (إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) [40] أي إن أصنامكم تنفعكم فادعوه ليدفع عنكم العذاب، وهو تعجيز لهم، يعني أنكم لا تدعون غير اللّه حينئذ.

[سورة الأنعام (6) : آية 41]

(بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ) أي بل تخصونه بالدعاء دون الأصنام (فَيَكْشِفُ) أي اللّه (ما تَدْعُونَ) أي العذاب الذي تدعون اللّه (إِلَيْهِ) أي إلى كشفه عنكم (إِنْ شاءَ) كشفه لحكمة، لأنه فضل منه وفضل اللّه يؤتيه من يشاء، والمراد كشف العذاب في الدنيا «8» ، لأن عذاب القيامة لا ينكشف عنهم أبدا (وَتَنْسَوْنَ) أي وتتركون (ما تُشْرِكُونَ) [41]

(1) عن عطاء، انظر البغوي، 2/ 355.

(2) لعله اختصره من البغوي، 2/ 355.

(3) أي ما تركنا وما أغفلنا، س: أي ما أعفلنا، ب م؛ وانظر أيضا الكشاف، 2/ 65.

(4) نقله عن السمرقندي، 1/ 483.

(5) خرس، ب م: أخرس، س.

(6) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها.

(7) «أرأيتكم» : قرأ نافع وأبو جعفر بتسهيل الهمزة الثانية المتوسطة بينها وبين الألف، ولورش وجه ثان وهو إبدالها ألفا خالصة مع إشباع المد للساكنين، وقرأ الكسائي بحذف هذه الهمزة، والباقون باثباتها محققة في الحالين إلا حمزة فسهلها عن الوقف - البدور الزاهرة، 102.

(8) كشف العذاب في الدنيا، ب م: كشف عذاب الدنيا، س.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت