فهرس الكتاب

الصفحة 1188 من 1316

عيون التفاسير، ج 4، ص: 216

عداوته في نفسه، ويجوز أن يكون المراد من ال «صَيْحَةٍ» مخاطبة النبي عليه السّلام الصحابة، أي يحسبون كل خطاب من النبي عليه السّلام لصحابي واقعا عليهم خوفا من أن يكون قد نزل من اللّه فيهم ما يبيح دماءهم، وقيل: «هُمُ الْعَدُوُّ» في محل النصب مفعول ثان ل «يَحْسَبُونَ» ، وحقه أن يقال هي العدو نظرا إلى الظاهر إلا أنه جمع نظرا إلى المقدر قبل «كُلَّ» «1» ، أي أهل كل صيحة أو إلى العدو (فَاحْذَرْهُمْ) من إفشاء سرك للكفار (قاتَلَهُمُ اللَّهُ) أي أهلكهم، دعاء عليهم أو تعليم للمسلمين أن يدعوا عليهم (أَنَّى يُؤْفَكُونَ) [4] أي كيف «2» يصرفون عن الإيمان بالقرآن بعد قيام البرهان، وفيه تعجيب من جهلهم.

[سورة المنافقون (63) : الآيات 5 الى 6]

وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (5) سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ (6)

(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ) أي لابن أبي وقومه (تَعالَوْا) إلى النبي عليه السّلام معتذرين (يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا) بالتشديد والتخفيف «3» ، أي عطفوا (رُؤُسَهُمْ) معرضين عن الاستغفار (وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ) أي يعرضون عن طلب الاستغفار (وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ) [5] عن الإيمان في السر - روي: أنه قيل له نزلت فيك أيات شداد فاذهب إلى رسول اللّه يستغفر لك، فلوى رأسه وقال أمرتموني أن أو من فآمنت وأمرت أن أزكي مالي فزكيت فما بقي لي إلا أن أتعبد محمدا فنزل «4» (سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) لنفاقهم (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) [6] أي لا يرشد إلى دينه الخارجين عن أمره بالنفاق، فأخبر تعالى أن استغفاره لهم لا ينفعهم ما داموا على نفاقهم.

[سورة المنافقون (63) : آية 7]

قوله (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ) الآية نزل حين ذهب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في غزوة مع أصحابه، ونزل بالمريسيع وهو ماء من مياه بني المصطلق، فدار على الماء ووقع بين غلام عمر وسنان بن وبر الجهني كلام فاقتتلا، فصرخ سنان يا معشر الأنصار وصرخ الغفاري يا معشر المهاجرين، فجاؤا واقتتلوا فسمع النبي عليه السّلام ذلك، فقال:

ما بال دعوى الجاهلية دعوها، فانها منفية، فقال عبد اللّه ابن أبي وهو حليف الأنصار لقومه لا تنفقوا على من عند رسول اللّه حتى ينفضوا، يعني أصحاب رسول اللّه عليه السّلام، ثم قال أيضا: «واللّه لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل» ، فقال عمر: «دعني يا رسول اللّه أضرب رأس هذا لمنافق» ، فقال عليه السّلام: «دعه كيلا يتحدث الناس أن محمدا يقبل أصحابه» «5» ، فأخبر تعالى عنهم توبيخا بقوله «هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ» (لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ) من الفقراء (حَتَّى يَنْفَضُّوا) أي يذهبوا متفرقين عنه فقال تعالى (وَلِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) أي مفاتيح الرزق بيده في السموات والأرض فهو رازقهم منها (وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ) [7] أي لا يعلمون ما لهم وما عليهم من اللّه.

[سورة المنافقون (63) : آية 8]

ثم أخبر عنهم أيضا بقوله (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ) بالرفع فاعل «يخرج» ، أي القوي

(1) هذا الرأي مأخوذ عن الكشاف مختصرا، 6/ 117.

(2) كيف، ح:- وي.

(3) «لووا» : خفف الواو الأولى نافع وروح، وشددها الباقون، ولا خلاف في تخفيف الواو الثاني - البدور الزاهرة، 321.

(4) نقله المؤلف عن السمرقندي، 3/ 365؛ وانظر أيضا الكشاف، 6/ 117.

(5) اختصره المفسر من السمرقندي، 3/ 365 - 366؛ وانظر أيضا الواحدي، 353 - 354؛ والكشاف، 6/ 117.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت