فهرس الكتاب

الصفحة 532 من 1316

عيون التفاسير، ج 2، ص: 239

ببراءة يوسف وتعجبا عن عفته وتنزيها له من الذنب (حاشَ لِلَّهِ) أي معاذ اللّه «1» (ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ) أي شرا وخيانة (قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ) زليخا معترفة بذنبها خوفا أن يشهدن عليها (الْآنَ حَصْحَصَ) أي ظهر وتبين (الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ) أي طلبت أن يمكنني من نفسه (وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ) [51] في قوله «هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي» .

[سورة يوسف (12) : الآيات 52 الى 53]

فلما سمع اعترافها قال يوسف (ذلِكَ) أي الذي فعلت من رد رسول الملك إليه والتثبت في السجن عند دعوة الملك إياي (لِيَعْلَمَ) العزيز (أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) أي في حال غيبته (وَأَنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي) أي لا يحق ولا يسدد بل يمحو (كَيْدَ الْخائِنِينَ) [52] وقيل: لا يرضى عملهم «2» ، وهو تأكيد لأمانته، فقوله «ذلِكَ لِيَعْلَمَ» من كلام يوسف، اتصل بقول امرأة العزيز «أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ» من غير تمييز لمعرفة السامعين ذلك بقرينة المعنى، قيل:

لما قال يوسف هذه المقالة قال له جبريل: ولا حين هممت بها؟ فقال عند ذلك «3» (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) من الزلل أو قاله هضما لنفسه وخوفا من دخول العجب فيها وتواضعا للّه تعالى وفرارا من التزكية (إِنَّ النَّفْسَ) أي جميع النفوس (لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) أي بالمعصية وبالميل إلى شهواتها الردية، ثم استثنى متصلا بقوله «4» (إِلَّا ما رَحِمَ رَبِّي) أي نفسا عصمها «5» اللّه برحمته كالملائكة فلم يركب فيهم الشهوة أو كالأنبياء والأولياء الذين يعصمهم بلطفه وإراءته البرهان إياهم، ف «ما» بمعنى «من» أو «إِلَّا» بمعنى «لكن» فالاستثناء منقطع، أي لكن رحمة ربي هي التي تصرف الإساءة ف «ما» مصدرية «6» (إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) [53] غفر لي للهم الذي هممت به ورحمني فعصمني عن الخطأ والمعصية، فلما تبين للملك عذر يوسف وعرف أمانته وعلمه أحبه.

[سورة يوسف (12) : آية 54]

(وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) أي بيوسف (أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) أي اجعله خالصا لأمري ومصلحتي دون غيره، فلما خرج يوسف من السجن ودع أهل السجن ودعا لهم وقال اللهم: اعطف قلوب الصالحين عليهم ولا تستر الأخبار عنهم، فمن ثمه يقع الأخبار عند أهل السجن في كل بلد قبل أن يقع عند الناس غالبا فجاء الملك بعد الاغتسال من درن السجن ولبس الثياب الحسان، وقال في نفسه حسبي ربي من دنياي وحسبي ربي من خلقه عز جاره وجل ثناؤه ولا إله غيره، ثم سلم يوسف «7» عليه بالعربية، فقال الملك ما هذا اللسان؟ قال: لسان عمي إسمعيل، ثم دعا له بالعبرية، قال: ما هذا اللسان؟ قال لسان آبائي، ولم يعرف الملك «8» هذين اللسانين وكان الملك يتكلم بسبعين لسانا سواهما، وكلما كلمه بلسان أجابه يوسف بذلك اللسان، فأعجب الملك ما رأى منه مع حداثة سنه، وكان يوسف يومئذ ابن ثلاثين سنة، فأجلسه (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) بما شاء شفاها (قالَ) له الملك (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ) أي ذو مكانة وجاه في ملكي (أَمِينٌ) [54] أي ذو أمانة على خزائني وأموري، فما ترى؟

قال: أرى أن تجمع الطعام وتزرع زرعا كثيرا في هذه السنين المخصبة وتأخذ من الناس خمس زروعهم من الطعام بقصبه وسنبله وتتركها في الخزائن محفوظة ليكون القصب والسنبل علفا للدواب فيكفيك ولأهل مصر ومن حولها مدة السنين المجدبة ويأتيك الخلق من النواحي للميرة ويجتمع عندك من الكنوز ما لم يجتمع لأحد قبلك، فقال الملك: ومن لي بذلك ومن يجمعه ومن يبيعه ويكتفي الشغل فيه؟ «9» .

(1) أي معاذ اللّه، ب س:- م -

(2) أخذه المصنف عن السمرقندي، 2/ 165.

(3) نقله المفسر عن البغوي، 3/ 292.

(4) ثم استثنى متصلا بقوله، ب س:- م.

(5) أي نفسا عصمها، ب س: أي من عصمه، م.

(6) فما بمعنى من أو إلا بمعنى لكن فالاستثناء منقطع ...

التي تصرف الإساءة فما مصدرية، ب س:- م.

(7) يوسف، م:- ب س.

(8) الملك، س: ملك، ب م.

(9) اختصره المؤلف من البغوي، 3/ 292 - 294.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت