عيون التفاسير، ج 2، ص: 180
أَكْبَرَ) أي أثقل من وزن الذرة (إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) [61] أي إلا ثابت «1» في اللوح المحفوظ، قرئ بفتح الراءين بناء على أن «لا» لنفي الجنس، وبرفعهما «2» لابتداء الكلام وقطعه عما قبله، إذ لو عطف على محل «مِثْقالِ ذَرَّةٍ» على الفاعلية لفسد المعنى، هو لا يغيب عن اللّه أصغر من مثقال ذرة إلا في كتاب مبين، يعني يغيب عنه فيلزم الجهل به تعالى عنه علوا كبيرا اللهم إلا إذا أريد من لا يعزب لا يبين أو لا يصدر فيستقيم الاستثناء حينئذ بمعنى لا يظهر أو لا يحدث عن اللّه شيء من الغيب في الأرض ولا في السماء إلا وهو مكتوب في اللوح ونحن نشاهده في كل وقت.
[سورة يونس (10) : آية 62]
(أَلا إِنَّ أَوْلِياءَ اللَّهِ) أي أحباءه وهم العلماء باللّه وحملة القرآن، وقيل: هم المجتنبون عن عمل السوء في الخلوات لعلمهم أن اللّه مطلع عليهم «3» ، وقيل: هم الذين إذا رؤوا ذكر اللّه «4» ، والمراد السمت كقوله «سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ» «5» (لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) من شدائد الساعة (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) [62] بفوت الجنة ولا بحرمان اللقاء أو لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس.
[سورة يونس (10) : آية 63]
ثم وصفهم بقوله (الَّذِينَ آمَنُوا) باللّه وأقاموا بقلوبهم على موجب المعارف منه (وَكانُوا يَتَّقُونَ) [63] عن المخالفة بعد استقامة نفوسهم بأداء الوظائف.
[سورة يونس (10) : آية 64]
(لَهُمُ الْبُشْرى) وهي الرؤيا الصالحة التي يراها «6» العبد المؤمن لنفسه أو يرى له غيره، وهي جزء من ستة وأربعين جزء من النبوة على الأصح، هي البشارة العظمى (فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) وقيل لهم البشرى عند الموت يبشرهم الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخافُوا وَلا تَحْزَنُوا «7» الآية (وَفِي الْآخِرَةِ) أي يبشرهم الملائكة حين يخرجون من القبور بالجنة والفوز وبياض وجوههم الذي يرونه (لا تَبْدِيلَ) أي لا تحويل (لِكَلِماتِ اللَّهِ) أي لمواعيده تعالى التي وعدها في القرآن (ذلِكَ) أي الموعود للمؤمنين (هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [64] أي النجاة الوافرة في الآخرة.
[سورة يونس (10) : آية 65]
ثم قال تسلية للنبي عليه السّلام (وَلا يَحْزُنْكَ) يا محمد (قَوْلُهُمْ) أي تكذيبهم وتهديدهم ومشاورتهم في إبطال أمرك، قوله (إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ) في معنى التعليل كأنه قال ما لي لا أحزن؟ فقيل لأن الغلبة والقهر والقدرة للّه (جَمِيعًا) فانه ناصرك وناصر دينك والمنتقم منهم، وكل من يتعزز إنما هو باذن اللّه (هُوَ السَّمِيعُ) لأقوالهم (الْعَلِيمُ) [65] بنياتهم وعقوبتهم.
[سورة يونس (10) : آية 66]
(أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ) أي كل ما فيهما في حكمه وتحت تصرفه من الخلق الملك والإنس والجن وغيرهم وذكر «مَنْ» تغليبا للعقلاء (وَما يَتَّبِعُ) «ما» فيه للنفي «8» ، أي لم يتبع (الَّذِينَ يَدْعُونَ)
(1) أي إلا ثابت، ب س: أي الثابت، م.
(2) «ولا أصغر ولا أكبر» : قرأ يعقوب وخلف وحمزة برفع الراء فيهما، والباقون بنصبها فيهما - البدور الزاهرة، 149.
(3) أخذه المفسر عن السمرقندي، 2/ 104.
(4) وهذا المعنى منقول عن السمرقندي، 2/ 104؛ والبغوي، 3/ 167.
(5) الفتح (48) ، 29.
(6) الصالحة التي يراها، س: الصالحة يراها، ب م.
(7) فصلت (41) ، 30.
(8) ما فيه للنفي، م:- ب س.