فهرس الكتاب

الصفحة 233 من 1316

عيون التفاسير، ج 1، ص: 241

الباطلة (وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ) أي ولا ما قدروا في أنفسهم من سبقهم على المؤمنين بسبق كتابهم ونبيهم بشهواتهم الباطلة، نزل حين قال أهل الكتاب للمؤمنين: كتابنا قبل كتابكم ونبينا قبل نبيكم فنحن أولى باللّه منكم، وقال المؤمنون: نبينا خاتم الأنبياء وكتابنا يقضي على الكتب بالصدق، وقد آمنا بكتابكم ولم تؤمنوا بكتابنا، فنحن أولى باللّه منكم «1» ، فقال تعالى ردا على الفريقين ليس ما ادعيتم من قولكم نحن أولى باللّه منكم أو ليس ما وعد اللّه من الثواب بتمنيكم ولا بتمني أهل الكتاب، بل ذلك بالعمل الصالح وترك المعصية، يوضحه «2» قوله (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ) أي يعاقب (بِهِ) ولا ينفعه تمنيه، وهو عام في حق غير التائب، وقيل: عام في الكل «3» لما روي أنه لما نزل شق ذلك على المسلمين، فقال أبو بكر كيف الفلاح بعد هذه الآية يا رسول اللّه؟ فقال عليه السّلام: «ألست تمرض ألست تحزن ألست يصيبك البلوى، أي الشدة، فذلك كله جزاؤه» «4» ، وقيل: «المراد من السوء الكفر» «5» (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي لا يجد الكافر لنفسه من غير اللّه (وَلِيًّا) أي قريبا أو محبا ينفعه في الآخرة بالشفاعة (وَلا نَصِيرًا) [123] أي مانعا يمنعه من عذاب اللّه.

[سورة النساء (4) : آية 124]

ثم قال (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ) أي بعض الصالحات (مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى) بيان لما فيه إبهام (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) حال من الضمير في «يَعْمَلْ» ، أي والحال أنه مصدق بالثواب والعقاب يوم البعث (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) قرئ معلوما ومجهولا «6» (وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا) [124] أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم قدر النقير، وهو النقرة في ظهر النواة وذكر انتفاء الظلم في حق الصالحين فقط تفضيلا «7» لهم أو هو من قبيل الاكتفاء.

[سورة النساء (4) : آية 125]

ثم قال تفضيلا لدين الإسلام على غيره من الأديان (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ) أي أخلص (وَجْهَهُ) أي دينه أو انقاد بجملته ظاهرا وباطنا (لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي موحد، عامل للحسنات وتارك للسيئات «8» (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا) حال من ضمير «اتَّبَعَ» أو من «إِبْراهِيمَ» ، أي حال كونه مائلا عن الأديان كلها إلى دين الإسلام «9» (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) [125] أي صفيا، وهو من ليس في مودته خلل، والجملة اعتراض يفيد «10» تأكيد وجوب اتباع ملته، والواو للحال لا للعطف، المعنى: أن الأحسن في الدين من يمتثل أمر اللّه ويوافق رضاه كموافقة الخليل خليله، روى جابر عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال: «اتخذ اللّه إبراهيم خليلا لإطعامه الطعام وإفشائه السّلام وصلوته بالليل والناس نيام» «11» .

[سورة النساء (4) : آية 126]

ثم قال تأكيدا لامتثال أمر اللّه (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) أي اللّه مالك أهلهما، فطاعته واجبة عليهم لكونهم عبيده، وحكمه نافذ فيهم (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) [126] أي أحاط علمه بكل شيء من

(1) عن مسروق وقتادة، انظر الواحدي، 153؛ وانظر أيضا البغوي، 2/ 160 - 161.

(2) يوضحه، ب م: توضحه، س.

(3) عن ابن عباس وسعيد بن جبير وجماعة، انظر البغوي، 2/ 161.

(4) أخذه عن السمرقندي، 1/ 390.

(5) عن الضحاك، انظر السمرقندي، 1/ 391.

(6) «يدخلون» : قرأ المكي والبصري وشعبة وأبو جعفر وروح بضم الياء وفتح الخاء، والباقون بفتح الياء وضم الخاء - البدور الزاهرة، 85.

(7) تفضيلا، ب م: تفضلا، س.

(8) للسيئات، ب س: السيئات، م.

(9) الإسلام، س م: السّلام، ب.

(10) يفيد، ب م: تفيد، س.

(11) انظر السمرقندي، 1/ 392 - ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت