عيون التفاسير، ج 1، ص: 153
السنة «1» ، قيل: لما وضعتها حنة لفتها في خرقة، ثم أتت بها إلى بيت المقدس، ووضعتها عند المحراب فاجتمعت الأحبار في المسجد، فقالت حنة لهم: خذوا مني هذه النذيرة للخدمة في المسجد، فرغبوا فيها، لأنها كانت بنت إمامهم، فقال زكريا: أنا أحق بها، لأن خالتها عندي، فقالوا: أمها أحق بها من خالتها ولكنا نتقارع بالقاء الأقلام في النهر، وكانت أقلامهم من النحاس، فخرجوا إلى عين سلوان، فألقوا أقلامهم فيها، فغابت أقلامهم في الماء فبقي قلم زكريا على وجه الماء، فعلموا أن الحق له «2» (وَكَفَّلَها) بتشديد الفاء «3» ، أي ضمها اللّه (زَكَرِيَّا) بالمد والقصر «4» ، وبتخفيف الفاء، أي ضمها زكريا إلى نفسه وهو معنى قوله «فتقبلها ربها» الآية (كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ) أي غرفتها من المسجد، والمحراب أشرف المجالس في اللغة، قيل: إنه بنى لها غرفة في المسجد، وجعل باب الغرفة في وسط الحائط، لا يصعد إليها إلا بالسلم، واستأجر لها ظئرا تربيها، وكان إذا خرج يغلق عليها الباب، ولا يدخل عليها إلا زكريا حتى كبرت «5» ، وإذا دخل عليها في أيام الشتاء (وَجَدَ عِنْدَها رِزْقًا) أي فاكهة الصيف وفي أيام الصيف فاكهة الشتاء (قالَ) زكريا (يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا) أي من أين لك هذا الرزق؟ ولا يدخل عليك أحد غيري (قالَتْ هُوَ) أي هذا الرزق (مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي من جنته تكلمت صغيرة كما تكلم عيسى في المهد (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) [37] أي بغير تقدير لكثرته وفي غير آوانه أو بلا محاسبة أو من حيث لا يحتسب.
[سورة آل عمران (3) : آية 38]
قوله (هُنالِكَ) أي حيث كان قاعدا عند مريم في المحراب ورأى حصول الفاكهة في غير أوانها فتنبه على إمكان ولادة العاقر وكان آيسا من ذلك (دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي) أي ارزقني (مِنْ لَدُنْكَ) أي من عندك (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي ولدا صالحا، والذرية تقع على الواحد والجمع (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ) [38] أي مجيب الدعوات.
[سورة آل عمران (3) : آية 39]
(فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ) بالياء لإرادة معنى الجنس، وبالتاء «6» لتأنيث «7» لفظ الجماعة، والمراد بالقراءتين جبرائيل عليه السّلام، أي ناداه جبرائيل عليه السّلام (وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ) الواو في الجملة واو الحال، أي ناداه حال كونه في الصلوة (أَنَّ اللَّهَ) بكسر الهمز «8» على إضمار القول وبفتحها «9» على أنه مفعول ثان «10» ل «نادته» ، يعني قالوا: إن اللّه (يُبَشِّرُكَ) بالتشديد من التبشير وبالتخفيف «11» ، من أبشر أو من بشر معلوما (بِيَحْيى) أي بولد، اسمه يحيى، لأنه حيي به «12» رحم أمه أو لأنه يحيي المجالس من وعظه، وهو لا ينصرف لوزن الفعل والتعريف كزيد ويشكر أو للعجمة والتعريف إن كان أعجميا «13» (مُصَدِّقًا) حال من «يحيى» ، أي مؤمنا (بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ)
(1) أخذه المؤلف عن البغوي، 1/ 456.
(2) اختصره من السمرقندي، 1/ 263؛ والبغوي، 1/ 456.
(3) «وكفلها» : قرأ الكوفون بتخفيف الفاء والباقون بالتشديد - البدور الزاهرة، 62.
(4) «زكريا» : قرأ حفص والأخوان وخلف بالقصر من غير همز، والباقون بالمد مع الهمز ورفعه إلا شعبة فبالنصب - البدور الزاهرة، 62.
(5) نقله عن السمرقندي، 1/ 264.
(6) «فنادته» : قرأ الأخوان وخلف بألف بعد الدال، والباقون بتاء ساكنة بعدها - البدور الزاهرة، 63.
(7) لتأنيث، ب س: التأنيث، م.
(8) الهمز، ب م: الهمزة، س.
(9) «أن اللّه» : قرأ ابن عامر وحمزة بكسرة همزة «إن» ، والباقون بفتحها - البدور الزاهرة، 63.
(10) ثان، ب م: ثاني، س.
(11) «يبشرك» : قرأ الأخوان هنا في الموضعين بفتح الياء وإسكان الباء وضم الشين مخففة، والباقون بضم الياء وفتح الباء وكسر الشين مشددة - البدور الزاهرة، 63.
(12) حيي به، ب م: حيى، س.
(13) أعجميا، ب س: عجميا، م.