عيون التفاسير، ج 4، ص: 137
[سورة الحجرات (49) : آية 13]
قوله (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى) أي من آدم وحواء، يعني نسبة أحدكم إلى آدم وحواء كنسبة الآخر إليهما سواء بسواء فلا وجه للتفاضل والتفاخر في النسب، نزل حين أمر النبي عليه السّلام بلالا ليؤذن بعد فتح مكة فقال حارث بن هشام أما وجد رسول اللّه سوى هذا الغراب «1» ، يعني بلالا (وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا) أي رؤوس «2» القبائل، جمع شعب وهو اسم للقبيلة التي تتشعب منها القبائل كمضر وربيعة وخزيمة، فانها شعوب القبائل (وَ) جعلناكم (قَبائِلَ) أي الأفخاذ كهاشم وبني عامر وبني سعد، المعنى: خلقناكم من أصل واحد ثم فرقناكم (لِتَعارَفُوا) أي ليعرف بعضكم بعضا ويعطيه حقه لا للتفاخر، ثم بين ما هو سبب الفخر فقال (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ) أي أشرفكم وأعزكم (عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ) أي أخوفكم وأخشاكم وإن كان عبدا حبشيا مثل بلال لا أنسبكم للتفاخروا بالأنساب، قيل: المتقي من انقطع عن الأكوان إلى اللّه تعالى خشية منه «3» ، وقال عليه السّلام:
«من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق اللّه» «4» (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ) بأتقاكم (خَبِيرٌ) [13] بافتخاركم.
[سورة الحجرات (49) : آية 14]
قوله (قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا) نزل في جماعة من الأعراب أظهروا الإسلام ليأمنوا به على نفوسهم وأموالهم، وقيل قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادة ومنوا بذلك على النبي عليه السّلام وهم بنو أسد جاؤا مع أهاليهم وذراريهم يطلبون الصدقة، وقالوا يا رسول اللّه نحن آمنا طوعا فأعطنا من الغنيمة أكثر مما يعطي غيرنا «5» ، فقال اللّه (قُلْ) يا محمد (لَمْ تُؤْمِنُوا) حقيقة بمعنى كذبتم في إيمانكم (وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا) أي دخلنا في الإسلام مخافة، والمراد منه لانقياد، قيل: نظم الكلام يقتضي أن يقال: قل لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا أو قل لم تؤمنوا ولكن أسلمتم، وإنما عدل عنه ليفيد هذا النظم تكذيب دعويهم الإيمان ودفع نسبة نفوسهم إليه وقد روعي في هذا النوع أدب حسن حيث لم يلفظه فلم يقل كذبتم ووضع «لَمْ تُؤْمِنُوا» موضعه «6» ، ثم بين عدم إيمانهم فقال (وَلَمَّا) بمعنى لم، أي لم (يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي حبه وفي ذكر «لَمَّا» لمعنى التوقيع إيذان بأنه قد وجد من بعضهم إيمان فلذا لم يقل لم يدخل، قيل: ذكر «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» بعد قوله «لَمْ تُؤْمِنُوا» تكرير من غير فائدة، أجيب بأن فائدة قوله «لَمْ تُؤْمِنُوا» تكذيب دعويهم، وفائدة قوله «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» توقيت لما أمروا به أن يقولوه، كأنه قيل لهم ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطاة قلوبكم لألسنتكم، لأن قوله «وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ» في موقع الحال من ضمير «قُولُوا» ، ففيه معنى التوقيت «7» (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) في السر كما تطيعونه في العلانية (لا يَلِتْكُمْ) أي لا ينقصكم (مِنْ أَعْمالِكُمْ) أي من ثوابها (شَيْئًا) بل يوفرها لكم، من لات يليت، أي نقص، وقرئ بالهمز الساكن «8» من ألت يألت، أي أبطل (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [14] إن صدقتم بقلوبكم.
(1) عن مقاتل، انظر 5/ 206.
(2) رؤوس، وي: رأس، ح.
(3) ولم أجد له مأخذا في المصادر التفسيرية التي راجعتها.
(4) انظر الكشاف، 6/ 22 - ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها.
(5) عن ابن عباس، انظر السمرقندي، 3/ 266؛ والكشاف، 6/ 22 - 23؛ وانظر أيضا الواحدي، 327.
(6) نقله عن الكشاف، 6/ 22.
(7) هذا مأخوذ عن الكشاف، 6/ 22 - كأنه قيل لهم ولكن قولوا أسلمنا حين لم تثبت مواطاة قلوبكم لألسنتكم لأن قوله ولما يدخل الإيمان في قلوبكم في موقع الحال من ضمير قولوا ففيه معنى التوقيت، وي: وهو قوله أسلمنا لأنه كلام واقع موقع الحال وقوله لم تؤمنوا يفيد مجرد تكذيب دعويهم وليس فيه تكرير، ح.
(8) «لا يلتكم» : قرأ البصريان بهمزة ساكنة بعد الياء وأبدل همزه مطلقا السوسي وحده، والباقون بترك الهمز - البدور الزاهرة، 302.