عيون التفاسير، ج 2، ص: 12
آثامهم (عَلى ظُهُورِهِمْ) وقيد الحمل بالظهر، لأن الحمل يكون عليه غالبا (أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ) [31] أي بئس ما يحملونه «1» من الوزر وهو الثقل.
[سورة الأنعام (6) : آية 32]
(وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا) أي أعمالها (إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) أي باطل وغرور واشتغال بما لا يعني لعدم النفع في عقبها كلعب الصبيان «2» يبنون بنيانا ويلهون به ساعة ثم يهدمونه ويروجونه «3» كذلك أهل الدنيا، يجمعون ما لا يأكلونه ويبنون ما لا يسكنون ويأملون ما لا يدركون ثم يموتون (وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ) بلامين صفة وموصوف، وبلام واحدة وجر «الْآخِرَةُ» «4» مضاف، ومضاف إليه، أي دار الساعة الآخرة وهي الجنة (خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ) الشرك والمعاصي من الدنيا ولذاتها (أَفَلا تَعْقِلُونَ) [32] بالياء والتاء «5» ، أن الآخرة أفضل من الدنيا.
[سورة الأنعام (6) : آية 33]
قوله (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ) بفتح الياء وضم الزاء وبضم الياء وكسر الزاء «6» ، أي ليغمك (الَّذِي يَقُولُونَ) نزل حين قال أبو جهل: إنا لا نكذبك يا محمد، بل نكذب ما جئت به «7» تسلية له ووعدا ووعيدا لهم، وقد في «قَدْ نَعْلَمُ» «8» للتحقيق أو التكثير، أي كثيرا علمنا أن الشأن ليحزنك الذي يقولونه من التكذيب فيك وفيما جئت به، لأنهم إذا كذبوا ما جاء به فقد كذبوه، قيل: جاءه جبرائيل وهو حزين، فقال: ما يحزنك؟ قال عليه السّلام: «كذبني هؤلاء» «9» ، يعني قريشا، قال (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ) بالحقيقة، لأنهم يعلمون أنك صادق، وقرئ بالتخفيف والتشديد «10» بمعنى واحد أو معنى التخفيف لا يجدونك كاذبا، ومعنى التشديد لا ينسبونك إلى الكذب (وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ) الدالة على صدقك (يَجْحَدُونَ) [33] مع علمهم لأنها حق منه تعالى، لأن الجحد انما يكون ممن علم الشيء ثم أنكره، والباء يتعلق ب «الجحد» المتعدي بنفسه لا ب «الظلم» لتضمن «11» الجحد معنى التكذيب، وفيه تهديد لهم، يعني لا يكذبونك ولكنهم يكذبوني، وهذه الطريقة أدل على إثبات التكذيب له عليه السّلام.
[سورة الأنعام (6) : آية 34]
ثم قال تسلية له عليه السّلام (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا) أي على ما كذبهم قومهم (وَأُوذُوا) أي وصبروا على ما أذاهم قومهم كما كذبك قريش وأذوك (حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا) الذي وعدناهم من الإهلاك بالعذاب (وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ) أي لا مغير لوعد اللّه بالنصرة للأنبياء ووعيده بالعقوبة للكفار (وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [34] أي خبر من أخبارهم، فالفاعل مضمر أو «نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ» ، و «مِنْ» زائدة كما ذهب إليه الأخفش، أي لقد جاءك خبرهم كيف أنجيتهم وكيف أهلكت قومهم، ونزل حين كان يكره النبي عليه
(1) ما يحملونه، ب س: ما يحملون، م.
(2) الصبيان، ب م: صبيان، س.
(3) ويروجونه، س: ويروجون، ب م.
(4) «وللدار الآخرة» : قرأ ابن عامر بلام واحدة وتخفيف الدال وجر «الآخرة» ، والباقون بلامين وتشديد الدال ورفع «الآخرة» - البدور الزاهرة، 101.
(5) «تعقلون» : قرأ المدنيان والشامي وحفص ويعقوب بتاء الخطاب، والباقون بياء الغيب - البدور الزاهرة، 101.
(6) «ليحزنك» : قرأ نافع بضم الياء وكسر الزاي، والباقون بفتح الياء وضم الزاي - البدور الزاهرة، 101.
(7) عن ناجية ابن كعب، انظر السمرقندي، 1/ 481؛ والبغوي، 2/ 353؛ وانظر أيضا الواحدي، 182 (عن أبي ميسرة) .
(8) وقد في قد نعلم، ب: وقلنا في قد نعلم، م، وقد في قد نعلم، س.
(9) عن أبي صالح، انظر السمرقندي، 1/ 482.
(10) «لا يكذبونك» : قرأ نافع والكسائي باسكان الكاف وتخفيف الذال، والباقون بفتح الكاف وتشديد الذال - البدور الزاهرة، 101.
(11) لتضمن، ب س: بتضمين، م.