عيون التفاسير، ج 3، ص: 333
خلق (السَّماواتِ) يعينونه فيه (أَمْ آتَيْناهُمْ كِتابًا) أي أم معهم كتاب أتيناه إياهم ينطق بأنهم شركاؤه (فَهُمْ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْهُ) أي على حجة وبرهان من ذلك الكتاب يريد أنهم ليسوا عل بيان منه (بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا) أي ما يعد الرؤساء الأتباع (إِلَّا غُرُورًا) [40] أي باطلا أو ما يعد الشيطان الكافرين من شفاعة الأصنام لهم إلا باطلا.
[سورة فاطر (35) : آية 41]
(إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ) أي يأخذ بقدرته (السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا) أي كراهة أن تزولا أو معنى «يُمْسِكُ» يمنع، أي يمنعها أن تزولا (وَلَئِنْ زالَتا) أي واللّه لئن زالت السموات والأرض من مقرهما (إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ) أي ما يقدر أحد أن يمسكهما أحد من بعد إمساكه، «مِنْ» الأولى زائدة والثانية ابتدائية، والجملة المنفية سدت مسد جواب القسم والشرط (إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [41] أي غير معاجل بالعقوبة حيث أمسكهما متجاوزا عن سيئاتهم بأن تابوا.
[سورة فاطر (35) : آية 42]
قوله (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ) نزل حين بلغ قريشا قبل مبعث النبي عليه السّلام أن أهل الكتاب كذبوا رسلهم، فقالوا لعن اللّه اليهود والنصارى أتتهم الرسل فكذبوهم، واللّه لئن آتانا رسول لنكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما بعث النبي عليه السّلام كذبوه فأخبره اللّه تعالى بذلك «1» ، ومعنى «أَقْسَمُوا» حلفوا كفار مكة (لَئِنْ جاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي رسول ينذرهم (لَيَكُونُنَّ أَهْدى) أي أطوع (مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ) من اليهود والنصارى وليس المراد منه إحدى الأمتين دون الأخرى، بل المراد هما جميعا لشيوع إحدى فيهما وإنما لم يقل من الأمتين أو من الأمم ليعم جميع أفراد الأمتين، لأن «إِحْدَى» تأنيث أحد، فيكون المعنى أهدى من كل واحد من الأمم، فلو ترك «إحدى» لجاز أن يراد بعض الأمم (فَلَمَّا جاءَهُمْ نَذِيرٌ) أي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم (ما زادَهُمْ) مجيئه (إِلَّا نُفُورًا) [42] عن الإيمان.
[سورة فاطر (35) : آية 43]
(اسْتِكْبارًا) أي علوا (فِي الْأَرْضِ) ونصبه على الحالية أو العلية أو البدلية من «نُفُورًا» ، قوله (وَمَكْرَ السَّيِّئِ) بكسر الهمزة أو بسكونها منصوب عطف على «اسْتِكْبارًا» أو على «نُفُورًا» أو إضافة ال «مَكْرَ» إلى «السَّيِّئِ» «2» للاتساع لكونه وصفا للمفعول المطلق أجري مجرى المفعول به، أصله أن مكروا السيء بمعنى المكر السيء على الوصف، ثم أضيف ال «مَكْرَ» إلى «السَّيِّئِ» الذي هو وصف المفعول المطلق، فقيل: مَكْرَ السَّيِّئِ فهو منقول من المكر السيء «3» ، وهو كل عمل قبيح أو الشرك أو إرادة إهلاكه صلّى اللّه عليه وسلّم (وَلا يَحِيقُ) أي لا
(1) قد أخذه عن الكشاف، 5/ 87؛ وانظر أيضا البغوي، 4/ 531.
(2) وَمَكْرَ السَّيِّئِ»: قرأ حمزة باسكان الهمزة وصلا، والباقون بكسرها، فاذا وقف عليه فلحمزة فيه وجه واحد وهو إبدال الهمزة ياء خالصة لسكونها وانكسار ما قبلها، ولهشام ثلاثة أوجه: الأول كحمزة والثاني إبدالها ياء مكسورة مع روم حركتها والثالث تسهيلها بين بين مع الروم، والباقون يقفون باسكان الهمزة، ويجوز لهم روم حركتها - البدور الزاهرة، 264.
(3) نقل المصنف هذا الرأي عن الكشاف، 5/ 87 - 88.