عيون التفاسير، ج 4، ص: 119
[سورة محمد (47) : آية 15]
مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ (15)
(مَثَلُ) أي صفة (الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ) أي الذين يتقون الشرك والمعاصي وهم أمة محمد عليه السّلام وهو مبتدأ، خبره قوله (فِيها أَنْهارٌ مِنْ ماءٍ غَيْرِ آسِنٍ) بالمد وغيره «1» ، أي غير متغير الريح والطعم (وَأَنْهارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ) إلى الحموضة كلبن الدنيا (وَأَنْهارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ) أي لذيذة (لِلشَّارِبِينَ) من غير تصديع للرأس ولا تنزيف للعقل بخلاف خمر الدنيا، فانها كريهة الطعم وتصدع وتنزف وتبعد من الرحمن (وَأَنْهارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى) لا شمع فيه ولا كدر (وَلَهُمْ فِيها) أي في الجنة مع ذلك (مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) أي من كلها أصناف (وَ) لهم (مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي رضوان منه عنهم مع ما أعطاهم، قوله (كَمَنْ هُوَ خالِدٌ فِي النَّارِ) خبر مبتدأ محذوف الاستفهام الإنكاري بدلالة «أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ» ، قيل تقديره: أحال من كان مكرما في الجنة الموصوفة خالدا كحال من كان هو في النار خالدا «2» ، وقيل: «مَثَلُ الْجَنَّةِ» مبتدأ بتقدير الاستفهام الإنكاري والخبر «كَمَنْ هُوَ خالِدٌ» ، تقديره: أمثل الجنة كمثل جزاء من هو خالد في النار وإنما حذف حرف الإنكار لزيادة تصوير لمكابرة المسوي بين المتمسك بالبينة والتابع لهواه وإنه بمنزلة من يسوي بين الجنة التي لهم فيها نعيم وبين التي يسقي أهلها الحميم فعلى هذا قوله «فِيها أَنْهارٌ» داخل في حكم الصلة أو هو حال، أي مستقرة فيها أنهار «3» ، قوله (وَسُقُوا ماءً حَمِيمًا) عطف على صلة من وجمع من اعتبار للمعنى، أي كالذين سقوا ماء شديد الحر يسقط فروة الوجه عند الشرب (فَقَطَّعَ أَمْعاءَهُمْ) [15] أي ما في بطونهم من الحوايا فخرجت من أدبارهم.
[سورة محمد (47) : آية 16]
(وَمِنْهُمْ) أي ومن الكافرين من أهل النفاق (مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ) ولا يحفظون كلامك (حَتَّى إِذا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) من الصاحابة رضي اللّه عنهم كعبد اللّه بن مسعود استهزاء (ما ذا قالَ) محمد (آنِفًا) أي الساعة، ونصبه ظرف، أي وقتا يقرب منا وذلك حين خطب النبي عليه السّلام يوم الجمعة للناس وعاب «4» في خطبته بعض المنافقين فقال تعالى (أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ) مجازاة لنفاقهم (وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ) [16] في كفرهم والعمل بما تهوي أنفسهم فلا يؤمنوا.
[سورة محمد (47) : آية 17]
(وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا) أي أحسنوا الاستماع إليك (زادَهُمْ) اللّه تعالى (هُدىً) أي بصيرة وعلما في دينهم وتصديقا لنبيهم وشكرا لربهم (وَآتاهُمْ تَقْواهُمْ) [17] أي أعطاهم اللّه علم ما يتقون منه «5» ، وقيل: ألهمهم العمل بالناسخ وترك المنسوخ «6» .
[سورة محمد (47) : آية 18]
(فَهَلْ يَنْظُرُونَ) أي كفار قريش ما ينتظرون لأن يؤمنوا (إِلَّا السَّاعَةَ) أي القيامة (أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً) أي فجأة، بدل من «السَّاعَةَ» بدل اشتمال، قوله (فَقَدْ جاءَ أَشْراطُها) كالتعليل لاتيانها، أي قد ظهرت علاماتها وهي بعث النبي عليه السّلام وانشقاق القمر والدخان، ومنها أن يعظم رب المال وأن يرفع العلم ويكثر الجهل ويظهر أهل المنكر على الحق (فَأَنَّى) أي من أين (لَهُمْ إِذا جاءَتْهُمْ) الساعة (ذِكْراهُمْ) [18] أي تذكرهم واتعاظهم، والفاء في «فَأَنَّى» جواب الشرط، تقديره: إن تأتهم الساعة فكيف لهم ذكراهم، يعني لا ينفعهم الذكرى والتوبة حيئذ وقد فرطوا فيها بالإنكار.
(1) «آسن» : قرأ ابن كثير بقصر الهمزة، وغيره بمدها.
البدور الزاهرة، 297.
(2) لعل المصنف أخذه عن البيضاوي، 2/ 402.
(3) أخذه المفسر عن البيضاوي، 2/ 402؛ وانظر أيضا الكشاف، 5/ 163 - 164.
(4) للناس وعاب، و: وعاب، ي، للناس وغاب، ح.
(5) منه، وي:- ح.
(6) نقل المؤلف هذا الرأي عن السمرقندي، 3/ 243.