عيون التفاسير، ج 2، ص: 158
(أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ) بالنصب مفعول المعلوم وبالرفع فاعل المجهول «1» ، الاستفهام فيه لنفي الاستواء بين الإخلاص والرياء، أي أمن أصل بنيان دينه (عَلى تَقْوى) بلا تنوين، لأنه فعلى لا ينصرف، وبالتنوين إلحاقا بجعفر فالألف للإلحاق لا للتأنيث كتترى على قراءة الصرف «2» ، أي على قاعدة قوية (مِنَ اللَّهِ) وهي خشية «3» اللّه تعالى وتوحيده (وَرِضْوانٍ) أي ورضا منه (خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيانَهُ عَلى شَفا جُرُفٍ) بضم الراء وسكونها «4» ، أي شفير جانب واد منحفر أصله بجريان الماء فيه، وصفة «جرف» (هارٍ) أي منصدع مائل إلى السقوط، أصله هائر، فقلب إلى هاري فصار كقاض، وهو كناية على أضعف القواعد الذي أسس عليه البنيان (فَانْهارَ بِهِ) أي سقط معه، من هار يهور أو يهير إذا سقط (فِي نارِ جَهَنَّمَ) ومعنى قوله «فَانْهارَ بِهِ» في نار جهنم أنه لما جعل الجرف الهائر عبارة عن الباطل مجازا قال فانهار به بمعنى فطاح به الباطل وهو الكفر في قعر جهنم (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) [109] أنفسهم بكفرهم ونفاقهم.
روي: أنه عليه السّلام أرسل بعد رجوعه من تبوك وحشيا قاتل حمزة بجماعة فحرقوا مسجدهم وهدموه وتفرق أهله وجعل مكانه كناسة تلقي فيه الجيف «5» ، قيل: حفرت بقعة من مسجد الضرار فرئي الدخان يخرج منه «6» .
[سورة التوبة (9) : آية 110]
(لا يَزالُ بُنْيانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً) أي شكا في الدين ونفاقا (فِي قُلُوبِهِمْ) فريبة، نصب ب «لا يَزالُ» خبرا، أي لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوه بسبب شك ونفاق زائد «7» على شكهم ونفاقهم لا ينقطع وسمه عن قلوبهم، لأنهم غافلون «8» من ذلك فزاد مقتهم للإسلام وصمم النفاق في قلوبهم لا يخرج منها (إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ) بفتح التاء معلوما، والفعل للقلوب أي تتصدع وتتفرق أجزاء فيخلصون عنه، لأنها ما دامت سالمة لا يضمحل عنها الريبة أو إلا أن تقطع قلوبهم ندما على تفريطهم فيتوبوا، وبضم التاء «9» ورفع «قُلُوبِهِمْ» مجهولا والفعل لغير القلوب (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بنياتهم (حَكِيمٌ) [110] حكم بهدم بنيانهم الضرار.
[سورة التوبة (9) : آية 111]
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)
(إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ) التي هو خلقها (وَأَمْوالَهُمْ) التي رزقها لهم (بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ) أي طلب اللّه منهم أن يفدوا أنفسهم وأموالهم ويخرجوا إلى الغزو وليثيبهم الجنة، نزل حين بايع رسول اللّه عليه وسلم الأنصار ليلة العقبة أن يعبدوا اللّه ولا يشركوا به شيئا وأن ينصروه ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأموالهم، ولهم الجنة إن وفوا بذلك فقبلوا، وقالوا: لا نقيل ولا نستقيل «10» ، يعني لا ننصرف من هذه البيعة ولا نطلب انصراف أحد منها.
(يُقاتِلُونَ) أي حال كونهم يجاهدون أعداء اللّه ورسوله (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي في دينه (فَيَقْتُلُونَ) معلوما
(1) «بنيانه» : قرأ نافع وابن عامر برفع النون، والباقون بنصبها - البدور الزاهرة، 140.
(2) أخذ هذه القراءة عن الكشاف، 2/ 214.
(3) خشية، ب س: تقوى، م.
(4) «جرف» : أسكن الراء الشامي وشعبة وحمزة وخلف وضمها غيرهم - البدور الزاهرة، 140.
(5) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها.
(6) أخذه عن الكشاف، 2/ 214؛ وانظر أيضا البغوي، 3/ 110.
(7) زائد، س م: زائدا، ب.
(8) غافلون، س: غافلوا، ب م.
(9) «تقطع» : قرأ الشامي وحفص وحمزة وأبو جعفر ويعقوب بفتح التاء، والباقون بضمها - البدور الزاهرة، 140.
(10) عن محمد بن كعب القرظي، انظر البغوي، 3/ 111 - 112؛ وانظر أيضا الكشاف، 2/ 215.