فهرس الكتاب

الصفحة 240 من 1316

عيون التفاسير، ج 1، ص: 248

قيل: «هم في توابيت من حديد مقفلة في النار» «1» ، وعذاب المنافق «2» أشد من عذاب غيره من الكفرة لكفره ونفاقه واستهزائه بالدين.

[سورة النساء (4) : آية 146]

ثم استثنى التائبين من النفاق بقوله (إِلَّا الَّذِينَ تابُوا) أي رجعوا من النفاق (وَأَصْلَحُوا) الفاسد من أعمالهم (وَاعْتَصَمُوا) أي تمسكوا (بِاللَّهِ) أي بتوحيده (وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ) بقلوبهم (لِلَّهِ) لأن النفاق كفر القلب وإظهار الإيمان باللسان في الشريعة، وأما تسمية الفساق باسم النفاق فمجاز وتغليظ ليمتنع عن فسقه كما قال عليه السّلام: «ثلث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان» «3» ، ثم قال تعالى في جزاء التائبين من النفاق (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) في الجنة أو معهم فيما لهم وما عليهم في الدنيا (وَسَوْفَ يُؤْتِ) بحذف ياء «يؤتى» خطا اتباعا للفظ، لأنه حذف لالتقاء الساكنين، أي يعطي (اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [146] في الآخرة فيشاركونهم ويساهمونهم.

[سورة النساء (4) : آية 147]

ثم قال باستفهام التقرير، أي تقرير أنه لا يعذب المؤمن الشاكر «4» تطييبا لنفوس المؤمنين (ما يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذابِكُمْ) أي أي شيء يفعل بعذابكم (إِنْ شَكَرْتُمْ) اللّه (وَآمَنْتُمْ) به، أي وحدتموه، يعني ما حاجته إلى تعذيبكم لو آمنتم بربكم خالقكم ورازقكم، وشكرتم له على نعمه التي أنعمها عليكم أيتشفى به من الغيظ أم يستجلب به نفعا أو يستدفع «5» به ضررا كما يفعل السلاطين على رعاياهم بعذابهم، وهو الغني الذي يستحيل عليه شيء من ذلك فان أقمتم بشكر نعمته وآمنتم به فقد أبعدتم عن أنفسكم استحقاق العذاب، ويجوز أن يكون «ما» نافية، أي لا يعذبكم إن شكرتموه (وَكانَ اللَّهُ شاكِرًا عَلِيمًا) [147] أي مثيبا موفيا أجوركم، عالما بحق شكركم وإيمانكم، وتقديم الشكر على الإيمان هنا مع أن الأمر بالعكس إيذان بأن أصل التكليف الشكر المبهم، لأن العاقل إذا نظر إلى ما أنعم عليه تصور منعما فشكر شكرا مبهما، فأدى ذلك إلى تجديد النظر لدرك معرفة المنعم القديم فآمن به فشكر شكرا مفصلا فقدم الشكر على الإيمان من هذا الوجه.

[سورة النساء (4) : آية 148]

قوله (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ) أي أن تجهروا بين الناس بذكر رجل منهم (بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ) كالشتم والخبث وغير ذلك من الألفاظ القبيحة (إِلَّا مَنْ ظُلِمَ) نصب على الاستثناء بتقدير المضاف، أي إلا جهر من ظلمه شخص فيدعو عليه بقول اللهم أعني عليه أو خذ لي حقي منه أو «6» بدئ بالشتم فرد مثله، نزل في شأن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه، شتمه رجل فسكت أبو بكر مرارا، ثم رد عليه «7» ، وقيل: نزل في الضيف الذي ينزل بالقوم فلم يحسنوا إليه، فله أن يذكر ما فعلوا به، ويسب مثل ما يسبوه ما لم يكن كلاما فيه حد والسكوت أفضل «8» (وَكانَ اللَّهُ سَمِيعًا) لأقوالكم ودعائكم (عَلِيمًا) [148] بأحوالكم وعقابكم إن ظلمتم.

[سورة النساء (4) : آية 149]

(1) عن ابن مسعود، انظر البغوي، 2/ 178.

(2) المنافق، س: المنافقين، ب م.

(3) أخرجه مسلم، الإيمان، 107، 108، 109، 110؛ والبخاري، الإيمان، 24، الشهادات، 28، الوصايا، 8، الأدب، 69؛ وانظر أيضا الكشاف، 2/ 3.

(4) أي تقرير أنه لا يعذب المؤمن الشاكر، ب س: أي تقريرا أنه لا يعذب المؤمنين الشاكرين، م.

(5) أم يستجلب به نفعا أو يستدفع به، ب: أم سيجلب به نفعا أو سيدفع به، س، أم ستجلب به نفعا أو ستدفع به، م؛ وانظر أيضا الكشاف، 2/ 3.

(6) أو، ب م: و، س.

(7) أخذه المصنف عن السمرقندي، 1/ 400.

(8) عن مجاهد، انظر السمرقندي، 1/ 400؛ والواحدي، 157.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت