عيون التفاسير، ج 3، ص: 244
الكفار «1» ، أي نحن قليلون أن نتبع الهدى يتخطفونا (مِنْ أَرْضِنا) مكة ووبخهم اللّه بقوله (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ) أي أو لم ننزلهم مكة (حَرَمًا آمِنًا) أي في الحرم الذي آمنه بحرمة البيت وآمن سكانه بحرمته، وكانت العرب في الجاهلية يتناحرون وهم آمنون في حرمهم لا يخافون من السبي والقتل وهم يعبدون غيري، فكيف يخافون لو أسلموا (يُجْبى) بالياء والتاء «2» (إِلَيْهِ) أي إلى الحرم يجمع (ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ) أي كل لون من ألوان الثمرات من كل ناحية (رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) أي من عندنا، مفعول له، أو حال بمعنى مرزوقا من ثمرات متخصصة بالإضافة (وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ) [57] أن ذلك رزق من لدنا، ولو علموا ذلك لعلموا أن الخوف والأمن من عند اللّه.
[سورة القصص (28) : آية 58]
قوله (وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ) تخويف لأهل مكة من سوء العاقبة لتبديلهم الكفر بالشكر، أي أهلكنا قرية كثيرة (بَطِرَتْ مَعِيشَتَها) أي فرحت من معيشتها بنزع الخافض أو ظرف، أي أيام معيشتها، وأصل البطر دهش يعتري من سوء احتمال النعمة والقيام بحقها، وهو أن لا يحفظ حق اللّه في النعمة، لأنهم أكلوا رزق اللّه وعبدوا غيره من الأصنام فأهلكهم اللّه بالعذاب في الدنيا (فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ) أي بيوتهم انظروا إليها واعتبروا فيها بقيت خالية (لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا) سكونا (قَلِيلًا) وهو ساعة أو يوم للمسافرين (وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ) [58] لتلك المساكن من ساكنيها، أي تركناها على حال لا يسكنها أحد.
[سورة القصص (28) : آية 59]
(وَما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى) أي لم يعذب أهلها في كل زمان (حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها) أي في أم القرى «3» ، يعني مكة أو أكبرها، قرئ بضم الألف وكسرها «4» (رَسُولًا) وهو محمد صلّى اللّه عليه وسلم أو عام في كل رسول، وأم القرى هي التي يسكن «5» فيها الأشراف، لأن الرسول أنما يبعث غالبا إلى الأشراف (يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا) أي القرآن ترغيبا وترهيبا، وهذا بيان لعدله وتقدسه عن الظلم لأنه أعلم بكمال فضله، إن عادته ليست أن يهلكهم إلا إذا استحقوا الإهلاك بظلمهم ولا يهلكهم إلا بعد تأكيد الحجة والإلزام ببعثة الرسول، ولذا أردفه بقوله (وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ) [59] بالشرك.
[سورة القصص (28) : آية 60]
(وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ) أي الذي أعطيتم من مال في الدنيا (فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها) أي فهو ما تنتفعون به أيام حياتكم وتتزينون به ولا يبقى دائما، يعني أنتم وما أوتيتم من أسباب التمتع في الدنيا إلى فناء (وَما عِنْدَ اللَّهِ) أي والذي وعد لكم من الأجر والفضل الثابت عنده تعالى (خَيْرٌ) في نفسه من ذلك (وَأَبْقى) لأنه دائم لا يفني (أَفَلا تَعْقِلُونَ) [60] أن الباقي خير من الفاني فتؤمنون «6» ، بالتاء والياء «7» .
[سورة القصص (28) : آية 61]
قوله (أَفَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْدًا حَسَنًا) أي الجنة أو النصر (فَهُوَ لاقِيهِ) أي مصيبه، نزل في النبي عليه السّلام وأبي
(1) نقله عن البغوي مختصرا، 4/ 351.
(2) «يجبى» : قرأ المدنيان ورويس بالتاء الفوقية، وغيرهم بالياء التحتية - البدور الزاهرة، 242.
(3) أي في أم القرى، ح: أي أم القرى، ي، أم القرى، و.
(4) «فِي أُمِّها» : قرأ الأخوان بكسر الهمزة وصلا، وغيرهما بضمها كذلك، والجميع يبتدئون بضم الهمزة، وأجمعوا على كسر الميم في الحالين - البدور الزاهرة، 242.
(5) يسكن، ح ي: تسكن، و.
(6) فتؤمنون، وي: فتؤمنوا، ح.
(7) «تعقلون» : قرأ أبو عمرو بياء الغيبة، والباقون بتاء الخطاب - البدور الزاهرة، 242.