عيون التفاسير، ج 3، ص: 292
بقوله «أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى» «1» ليسأل الأنبياء عليهم السّلام «2» عن تبليغ الرسالة وصدقهم فيها إثباتا للحجة على الكفار، قوله (وَأَعَدَّ لِلْكافِرِينَ) عطف على «أَخَذْنا» بطريق الالتفات من «اعتدنا» أو على من دل عليه ليسأل الصادقين، أي فأثاب المؤمنين وأعد للكافرين (عَذابًا أَلِيمًا) [8] أي مؤلما.
[سورة الأحزاب (33) : آية 9]
ثم أخبر عمن نقض العهد فأهلك به عبرة للمؤمنين ومنة عليهم بقوله (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) في الدفع عنكم يوم الأحزاب وهو يوم الخندق (إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ) هم أحزاب من قريش ومن تبعهم من غيرهم كبني قريظة وبني النضير اللذين عاهدوا النبي عليه السّلام على أن لا يكونوا عليه ولا معه، فنقضوا عهودهم فجاؤا إلى المدينة لقتال النبي عليه السّلام مع قريش وغيرهم، وهم كانوا عشرة آلاف، نزلوا قريبا من الغابة والنبي عليه السّلام في ثلاثة آلاف، فخندق النبي عليه السّلام حول المدينة خندقا برأي سلمان يحول بين المسلمين والكافرين فأحصر المؤمنون بضع عشرة ليالي، وقيل: عشرين «3» (فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا) ليلا وهي ريح الصبا فأطفأت نيرانهم وأكفأت قدورهم، قال صلّى اللّه عليه وسلّم: «نصرت بالصبا وأهلكت عاد بالدبور» «4» (وَجُنُودًا) أي وأرسلنا جنودا وهم ألف ملك (لَمْ تَرَوْها) فكبرت الملائكة في جانب عسكرهم وقلعت أوتاد خيامهم، وقذف اللّه في قلوبهم الرعب وماجت الخيل بعضها في بعض، فقال طلحة بن خويلد: أما محمد فقد بدأكم بالسحر فالنجا النجا، أي السرعة السرعة «5» من سحر محمد فارتحلوا ليلا منهزمين من غير قتال «6» (وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) [9] أي عالما بأعمالكم يوم الخندق حين خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في ثلاثة آلاف من المسلمين وضرب معسكره والخندق بينه وبين القوم، وأمر بالذراري والنساء في الحصون، واشتد الخوف وظن المسلمون كل ظن، وظهر النفاق من المنافقين بقولهم كان محمد يعدنا كنوز كسرى وقيصر ونحن لا نقدر أن نذهب إلى الغائط.
[سورة الأحزاب (33) : آية 10]
قوله (إِذْ جاؤُكُمْ) بدل من «إذ جاءتكم» أو عامله مقدر، أي اذكر إذ جاء بنو غطفان (مِنْ فَوْقِكُمْ) أي من أعلى الوادي من قبل المشرق (وَ) جاء (مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ) أي من أسفل الوادي من قبل المغرب قريش تحزبوا، وقالوا سنكون جملة واحدة حتى نستأصل محمدا (وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ) أي مالت وتحيرت خوفا لكثرة العدد والعدد (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) جمع حنجرة، وهي منتهى الحلقوم مدخل الطعام والشراب، وهو تمثيل لشدة الخوف (وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا) [10] بالألف وصلا ووقفا على إشباع الفتحة، وبحذف الألف على ترك الإشباع وهو القياس، وبحذفها وصلا على الأصل وإثباتها وقفا إشباعا «7» ، والمعنى: أنكم أيها المؤمنون ظننتم ظنونا مختلفة، إذ المؤمنون باللسان أي المنافقون ظنوا أن المسلمين يستأصلون وظن المخلصون أنهم يبتلون وينصرون.
[سورة الأحزاب (33) : آية 11]
(هُنالِكَ) أي ثمه (ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ) الذين هم ثبتوا «8» القلوب والأقدام في الإيمان (وَزُلْزِلُوا) أي حركوا
(1) الأعراف (7) ، 172.
(2) عليهم السّلام، وي:- ح.
(3) ولم أجد له مرجعا في المصادر التي راجعتها.
(4) رواه مسلم، الاستسقاء، 17؛ وانظر أيضا السمرقندي، 3/ 41؛ والبغوي، 4/ 436؛ والكشاف، 5/ 36.
(5) السرعة، و:- ح ي.
(6) هذا مأخوذ عن الكشاف، 5/ 36.
(7) «الظنونا» : قرأ المدنيان والشامي وشعبة باثبات ألف بعد النون وصلا ووقفا، وحمزة والبصريان بحذف الألف في الحالين، والباقون بحذفها وصلا وإثباتها وقفا وهم المكي والكسائي وحفص وخلف في اختياره - البدور الزاهرة، 254.
(8) ثبتوا، ح: ثبت، وي.