عيون التفاسير، ج 2، ص: 107
على ماء بدر، فأنزل اللّه تعالى مطرا من السماء فتطهروا من الأحداث والجنابة وارتووا من العطش وذهبت عنهم وسوسة الشيطان، فأخبر تعالى عن ذلك منة عليهم ليشكروا على أنعامه عليهم بقوله (وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ) أي بماء المطر من الأحداث (وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطانِ) أي وسوسته، وأصل الرجز العذاب وسميت به، لأنها سبب العذاب (وَلِيَرْبِطَ) أي وليحبس «1» (عَلى قُلُوبِكُمْ) بالصبر الحاصل «2» منه عند القتال (وَيُثَبِّتَ بِهِ) أي المداد أو بالربط (الْأَقْدامَ) [11] في الحرب على اليقين أو لتستقروا رجلكم على الرمل بسبب المطر حتى أمكنكم الوقوف عليه للحرب.
[سورة الأنفال (8) : آية 12]
قوله (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ) بدل من «إِذْ» قبله أو ظرف ل «يُثَبِّتَ» ، أي اذكروا «3» وقت قول ربك للملائكة (أَنِّي) أي بأني (مَعَكُمْ) أي معينكم وناصركم (فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا) أي بشروهم بالنصر فكان الملك يمشي بين الصفين في صورة إنسان، فيقول أبشروا أيها المؤمنون بالنصرة من اللّه، فانكم كثير وعدوكم قليل وإن اللّه ناصركم، قوله (سَأُلْقِي) أي سأقذف (فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ) أي الخوف من النبي عليه السّلام، ومن آمن به تفسير لقوله «أَنِّي مَعَكُمْ» ، لأن في إلقاء الخوف في قلوب المشركين نصرا للملائكة (فَاضْرِبُوا) هذا تعليم للمؤمنين كيف يقتلون الكافرين، أي اضربوا بسيوفكم (فَوْقَ الْأَعْناقِ) أي فوق رؤوسهم، لأنه أوجب للقتل أو على الأعناق التي هي المذابح، لأنه تطيير للرؤوس لدقتها (وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنانٍ) [12] أي أطراف الأصابع التي بها يقاتلونكم أو المفاصل لسرعة القتل فيها.
[سورة الأنفال (8) : آية 13]
(ذلِكَ) أي ذلك العذاب الواقع بهم (بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي بسبب مخالفتهم أمر اللّه وأمر رسوله (وَمَنْ يُشاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي ومن يخالف أمرهما (فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ) [13] إذا عاقبه.
[سورة الأنفال (8) : آية 14]
ذلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ (14)
(ذلِكُمْ) مبتدأ، خطاب للكفار على سبيل الالتفات، أي ذلك العقاب النازل بكم يوم بدر (فَذُوقُوهُ) خبره، والفاء للسببية أو محل «ذلِكُمْ» نصب بقوله «فَذُوقُوهُ» ، والفاء زائدة للتأكيد، وتعطف (وَأَنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النَّارِ) [14] بفتح «أَنَّ» على المبتدأ، والخبر محذوف، تقديره: كون عذاب النار للكافرين عقاب لهم يوم القيامة، ويجوز أن يكون محله نصبا على أن الواو بمعنى مع، يعني ذوقوا هذا العقاب العاجل مع العقاب الآجل الذي لكم في الآخرة، فوضع «لِلْكافِرِينَ» موضع الضمير ولا تظنوا أن هذا العقاب صار كفارة لكم عن عذاب النار يوم القيامة.
[سورة الأنفال (8) : آية 15]
ثم قال حثا على القتال وتصبيرا عليه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) بتوحيد اللّه والقرآن (زَحْفًا) حال من «الكافرين» ، أي متزاحفين بمعنى متكاثرين في غاية الكثرة، وأصله السير ببطء، ويوصف الجيش العظيم به، كأنه يزحف في الأرض لعظمته، أي يبطؤ في سيره أو من زحف الصبي إذا دب على جلوسه، يعني إذا لقيتم الكافرين ودنوتموهم للقتال (فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ) [15] أي لا تعرضوا عنهم إلى ظهوركم منهزمين.
[سورة الأنفال (8) : آية 16]
(1) أي وليحبس، س: أي ليجلس، م، أي ويجلس، ب.
(2) الحاصل، س م:- ب.
(3) اذكروا، م: اذكر، س،- ب.