عيون التفاسير، ج 2، ص: 238
[سورة يوسف (12) : آية 47]
(قالَ) له يوسف معبرا: أما السبع البقرات السمان والسبع السنبلات الخضر فهي سبع سنين خصب، وأما السبع العجاف والسبع اليابسات فهي سبع سنين قحط، ثم قال (تَزْرَعُونَ) معلما مصالحهم لهم وهو خبر بمعنى الأمر، أي ازرعوا (سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا) أي عادة، مصدر في معنى الحال، أي دائبين، يعني اعملوا زراعتكم على عادتكم (فَما حَصَدْتُمْ) من الزرع (فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ) فهو أبقى لكم كيلا يأكله السوس إذا كان في سنبله، وهذا الأمر دليل على كون «تَزْرَعُونَ» في معنى الأمر (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ) [47] أي تدرسون بقدر ما تحتاجون للأكل أمرهم بحفظ الأكثر والأكل على قدر الحاجة.
[سورة يوسف (12) : آية 48]
(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) الخصب (سَبْعٌ شِدادٌ) أي سبع سنين قحط، سميت بالشداد لشدتها على الناس (يَأْكُلْنَ) أي يفني السنون (ما قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ) يعني يؤكل فيهن ما أعددتم لهن من الطعام، أضاف الأكل إلى السنين على طريق التوسع، ثم استثنى بقوله (إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) [48] أي تحرزون وتدخرون للبذر.
[سورة يوسف (12) : الآيات 49 الى 51]
ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49) وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ قالَ ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قالَ ما خَطْبُكُنَّ إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حاشَ لِلَّهِ ما عَلِمْنا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)
ثم بشر لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا بقوله (ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذلِكَ) القحط (عامٌ فِيهِ يُغاثُ النَّاسُ) أي يمطرون من الغيث وهو المطر أو ينقذون من الشدة بسعة الرزق من الغوث وهو الإغاثة من قوي (وَفِيهِ) أي وفي ذلك العام (يَعْصِرُونَ) [49] العنب والزيتون، بالياء والتاء «1» أو ينجون من الشدة بسعة العيش، قوله «ثُمَّ يَأْتِي» إلى قوله «يَعْصِرُونَ» بشارة لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا وتفصيل بحال العام «2» ، فبين لهم حال العام الثامن المبارك بالتفصيل ولا يعلم ذلك إلا بالوحي، فذهب الساقي إلى الملك، فأخبره بقول يوسف في تعبير رؤياه (وَقالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ) أي بيوسف، لأن الملك قد عرف أن الذي قاله كائن (فَلَمَّا جاءَهُ الرَّسُولُ) وقال له أجب الملك فأبي أن يخرج مع الرسول، أي تأخر «3» وتثبت «4» في إجابة الملك حتى يظهر براءته عما اتهم به وسجن فيه (قالَ) له يوسف (ارْجِعْ إِلى رَبِّكَ) أي سيدك العزيز (فَسْئَلْهُ ما بالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ) ليعلم أني مظلوم في الحبس ولم يصرح بذكر امرأة العزيز أدبا واحتراما (إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) [50] أي بفعلهن القبيح لا يعلمه غيره فيجازيكم به، قال عليه السّلام رحم اللّه: «أخي يوسف إن كان إلا ذا إناءة- أي ذا وقار وصبر- ولو كنت أنا لأسرعت الإجابة» «5» ، يقول ذلك هضما لنفسه وفيما فعل يوسف دليل على وجوب الاجتهاد في نفي التهم لقول عليه السّلام: «من كان يؤمن باللّه واليوم الآخر فلا يقف مواقف التهم» «6» ، قال ابن عباس:
«لو خرج يوسف حين دعي لم يزل في قلب الملك شيء منه» «7» ، فجمع الملك النساء ثم (قالَ ما خَطْبُكُنَّ) أي ما شأنكن وما حالكن (إِذْ راوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ) هل وجدتن منه ذنبا بالميل إليكن، قيل: إن امرأة العزيز راودته عن نفسه وسائر النسوة أمرنه بطاعتها «8» ، فلذلك خاطبهن بقوله ما خطبكن (قُلْنَ) أي قالت النساء اعترافا
(1) «يعصرون» : قرأ الأخوان وخلف بتاء الخطاب والباقون بياء الغيبة - البدور الزاهرة، 164.
(2) قوله ثم يأتي إلى قوله يعصرون بشارة لهم بعد الفراغ من تأويل الرؤيا وتفصيل بحال العام، م:- ب س.
(3) أي تأخر، م:- ب س.
(4) وتثبت، ب س: وثبت، م.
(5) ذكر السمرقندي نحوه، 2/ 165.
(6) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها.
(7) انظر السمرقندي، 2/ 165.
(8) أخذه المفسر عن البغوي، 3/ 291.