عيون التفاسير، ج 4، ص: 126
[سورة الفتح (48) : آية 10]
(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ) أي بيعة الرضوان بالحديبية تحت الشجرة، وخبر «إِنَّ» (إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) أي كانما يبايعون اللّه، لأنها بأمره تعالى نحو من يطع الرسول فقد أطاع اللّه أو يبايعون للّه، أي لأجله وطلب رضوانه وكانت الشجرة أم غيلان «1» أو السمرة «2» ، وهم يومئذ ألف وخمسمائة وأربعون رجلا، قوله (يَدُ اللَّهِ) مبتدأ، خبره (فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) أي يده بالنصرة فوق أيديهم بالطاعة (فَمَنْ نَكَثَ) أي نقض العهد والبيعة (فَإِنَّما يَنْكُثُ) أي يرجع وبال نقضه (عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ) «3» ، من البيعة «4» بضم الهاء وكسرها في «عليه» «5» ، أي أتمه بحفظه ولم ينقضه (فَسَيُؤْتِيهِ) بالنون والياء «6» (أَجْرًا عَظِيمًا) [10] أي الجنة فما فوقها.
[سورة الفتح (48) : آية 11]
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (11)
قوله (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ) نزل حين أراد النبي عليه السّلام أن يسير من المدينة إلى مكة عام الحديبية لزيارة الكعبة، وطلب ناسا من الأعراب ليرتحلوا معه، وكانت منازلهم بين مكة والمدينة فتخلوا عنه جبنا واعتلوا بالأموال والأولاد «7» ، فأخبر اللّه رسوله قبل ذلك أنه إذا رجع إليهم استقبلوه بالعذر وهم كاذبون بقوله «سيقول لك المخلفون» (مِنَ الْأَعْرابِ) عن الحديبية إذا رجعت إليهم (شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا) أي خفنا عليهم الضيعة (فَاسْتَغْفِرْ لَنا) اللّه في التخلف ليغفر لنا تخلفنا عنك (يَقُولُونَ) أي يظهرون (بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) لأنهم لا يبالون باستغفارك استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم وهم كاذبون في اعتذارهم (قُلْ) يا محمد (فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) أي من يقدر أن يمنع عنكم من عذاب اللّه شيئا (إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا) بفتح الضاد وضمها «8» ، أي قتلا وهزيمة (أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا) أي نصرة وغلبة، المعنى: لا يقدر على دفع ضر ولا جلب نفع إلا اللّه تعالى (بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [11] أي عالما بتخلفكم عني وبنياتكم «9» .
[سورة الفتح (48) : آية 12]
(بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ) أي منعكم من السير معه أنكم ظننتم أن لن يرجع الرسول (وَالْمُؤْمِنُونَ) من الحديبية (إِلى أَهْلِيهِمْ) بالمدينة (أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ) أي زين الشيطان التخلف (فِي قُلُوبِكُمْ) وحسنه (وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ) أي حسبتم الظن القبيح (وَكُنْتُمْ) أي وصرتم (قَوْمًا بُورًا) [12] أي هلكى بتخلفكم فأكذبهم اللّه تعالى في اعتذارهم، و «بُورًا» جمع بائر وهو الهالك.
[سورة الفتح (48) : آية 13]
(وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) في السر والعلانية معا (فَإِنَّا أَعْتَدْنا) أي هيأنا (لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا) [13] أي نارا مسعرة، يعني موقدة.
(1) عن محمد بن الحسن، انظر السمرقندي، 3/ 253.
(2) عن الكلبي، انظر السمرقندي، 3/ 153.
(3) أي،+ ح.
(4) من البيعة، وي: بالغلبة، ح.
(5) «عليه» : قرأ حفص بضم هاء الضمير وصلا، والباقون بكسرها ولا يخفى إسكانها وقفا للجميع - البدور الزاهرة، 299.
(6) «فسيؤتيه» : قرأ المدنيان والمكي والشامي وروح بالنون، وغيرهم بالياء التحتية - البدور الزاهرة، 299.
(7) نقله عن السمرقندي، 3/ 254؛ وانظر أيضا البغوي، 5/ 169 - 170؛ والكشاف، 6/ 4.
(8) «ضرا» : قرأ الأخوان وخلف بضم الضاد، والباقون بفتحها - البدور الزاهرة، 299.
(9) وبنياتكم، وي: ونياتكم، ح.