عيون التفاسير، ج 3، ص: 249
[سورة القصص (28) : آية 81]
(فَخَسَفْنا بِهِ) أي بقارون (وَبِدارِهِ الْأَرْضَ) قيل: كان قارون يؤذي موسى عليه السّلام كل وقت وهو يداريه للقرابة التي كانت بينهما حتى نزلت الزكوة، فصالحه عن كل ألف دينار على دينار، وعن كل ألف درهم على درهم، فجمعها فرآها عظيمة فمنعها من البخل لأنه استكثرها بعد الحساب، وقال لبني إسرائيل: أن موسى يريد أن يأخذ أموالكم، فقال: أنت كبيرنا فمربنا ما شئت، فقال: نبرطل فلانة البغية حتى ترميه بنفسها، فيرفضه بنو إسرائيل فجاؤا بها وجعل قارون لها ألف دينار، فأجابتهم فجمع قارون الناس يوم عيدلهم، وقال لموسى: مرهم وانههم فقام موسى وقال: من سرق قطعناه ومن افترى جلدناه ومن زنى وهو غير محصن جلدناه وإن أحصن رجمناه، فقال قارون: وإن كنت أنت قال إن كنت أنا فقال إن بني إسرائيل يزعمون أنك فجرت بفلانة، فقال:
ادعوها فأحضرت فناشدها موسى بالذي فلق البحر وأنزل التورية أن تصدق فتداركها اللّه ووفقها، فقالت:
بل كذبوا أن قارون جعل جعلا على أن أقذفك بنفسي، فخر موسى ساجدا يبكي، وقال: يا رب إن كنت نبيا فاغضب لي فأوحى اللّه إليه أن مر الأرض بما شئت فانها مطيعة لك، فقال موسى: من كان مع قارون فليثبت معه ومن كان معي فليعتزل قارون، فاعتزلوه كلهم إلا رجلين، فقال: يا أرض خذيهم فأخذتهم إلى الركب، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأوساط، ثم قال: خذيهم فأخذتهم إلى الأعناق، والحال أن قارون وأصحابه يتضرعون إلى موسى ويناشدونه باللّه وبالرحم، وموسى لا يلتفت إليهم لشدة غضبه، ثم قال: خذيهم فانطبقت عليهم «1» ، وهو معنى قوله «فَخَسَفْنا بِهِ وَبِدارِهِ الْأَرْضَ» ، يعني بداره وأمواله فهو يتجلجل في الأرض كل يوم قامة رجل إلى يوم القيامة (فَما كانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ) أي لم يكن لقارون جند (يَنْصُرُونَهُ) أي يمنعونه (مِنْ دُونِ) أي من دون عذابه فأوحى اللّه إلى موسى ما أغلظ قلبك استغاثوا بك مرارا فلم ترحمهم وعزتي لو دعوني مرة واحدة لوجدوني مجيبا (اللَّهِ وَما كانَ مِنَ المُنْتَصِرِينَ) [81] الممتنعين من عذابنا النازل به.
[سورة القصص (28) : آية 82]
(وَأَصْبَحَ) أي حين رآه الناس كذلك تعجب (الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكانَهُ) أي منزلته من الدنيا (بِالْأَمْسِ) أي بالوقت القريب منهم استعير له من اليوم الذي قبل يومك، وتنبهوا على خطئهم فأصبحوا (يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ) أي يضيق، «وي» كلمة تعجب، تنبه على الخطأ يدخل على كان مخففة ومثقلة مفصولة من الكاف على الأصح، والكاف للتشبيه أي تنبهنا على خطئنا ما أشبه الحال بأن اللّه يبسط الرزق ويقدر (لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ) أي لو لا من اللّه (عَلَيْنا) بالإيمان (لَخَسَفَ بِنا) معلوما ومجهولا «2» ، فندموا على ما قالوه «يا ليت لنا» الآية، ثم قالوا (وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ) [82] تأكيد للندامة، أي ما أشبه الحال بأن الكافرين لا ينالون الفلاح كقارون وأصحابه.
[سورة القصص (28) : آية 83]
قوله (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ) تعظيم للجنة وتفخيم لشأنها أي التي سمعت وصفها، مبتدأ، خيره (نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا) أي بغيا وتكبرا عن الإيمان (فِي الْأَرْضِ وَلا فَسادًا) أي عملا بالمعاصي، قيل: «نزل في أهل التواضع» «3» ، يعني من لم يكن مثل فرعون وقارون فله تلك الدار الآخرة (وَالْعاقِبَةُ) أي عاقبة الأمر وهي الاستقرار في الجنة (لِلْمُتَّقِينَ) [83] الذين يتواضعون للّه ويعملون عملا صالحا.
(1) وقد نقله المؤلف عن الكشاف، 4/ 236؛ وانظر أيضا البغوي، 4/ 359 - 361.
(2) «لخسف» : قرأ يعقوب وحفص بفتح الخاء والسين، وغيرهما بضم الخاء وكسر السين - البدور الزاهرة، 243.
(3) عن علي رضي اللّه عنه، انظر البغوي، 4/ 362.