عيون التفاسير، ج 3، ص: 149
[سورة المؤمنون (23) : آية 52]
قوله (وَإِنَّ) عطف على «كُلُوا» ، قرئ بكسر «إن» على الابتداء، وبالفتح على ولأن متعلقا ب «فَاتَّقُونِ» ، وب «أن» مخففة من الثقيلة «1» ، أي ولأن الشأن (هذِهِ أُمَّتُكُمْ) يعني هذه الملة وهي دين الإسلام (أُمَّةً واحِدَةً) حال، أي دينا واحدا عليه جميع الأنبياء والمؤمنون بهم (وَأَنَا رَبُّكُمْ) أي إلهكم الذي شرعته لكم (فَاتَّقُونِ) [52] أي خافوا عذابي وأطيعوني.
[سورة المؤمنون (23) : آية 53]
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (53)
(فَتَقَطَّعُوا) أي تفرقوا «2» ، يعني الأتباع (أَمْرَهُمْ) أي دينهم الذي أمرتهم به (بَيْنَهُمْ زُبُرًا) بفتح الباء وضمها «3» ، أي قطعا، يعني جعلوا دينهم أديانا مختلفة فتحزبوا (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ) من الدين (فَرِحُونَ) [53] أي راضون بباطلة معتقدون على أنه الحق.
[سورة المؤمنون (23) : آية 54]
ثم سلى نبيه عليه السّلام وهددهم بقوله (فَذَرْهُمْ) أي اتركهم (فِي غَمْرَتِهِمْ) أي في جهلهم وعمايتهم (حَتَّى حِينٍ) [54] أي حتى يقتلوا أو يموتوا على الباطل، وفيه نهي للنبي عليه السّلام عن الاستعجال بعذابهم والجزع من تأخيره.
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 55 الى 56]
(أَيَحْسَبُونَ) أي أيظنون (أَنَّما نُمِدُّهُمْ) أي أن الذي نعطيهم إياه ونزيدهم (بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ [55] نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ) أي في الطاعات وجملة «نُسارِعُ» خبر «أن» و «ما» موصولة اسمها والراجع من خبر «إن» إلى اسمها محذوف، تقديره: نسارع به بمعنى لا نسارع لهم به فيما «4» فيه نفع وإكرام (بَلْ لا يَشْعُرُونَ) [56] أي لا يعقلون كالبهائم أن ذلك استدراج ومكر لزايادة الإثم، ولكنهم يتوهمون أن تعجيلنا ذلك لرضانا عنهم.
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 57 الى 59]
ثم أخبر عن المسرعين في الخيرات والأعمال الصالحات من المؤمنين فقال (إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ) [57] أي من عذابه خائفون (وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ) أي بالقرآن «5» (يُؤْمِنُونَ) [58] أي يصدقون (وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ) [59] معه غيره، أي يوحدونه ويعبدونه بالإخلاص.
[سورة المؤمنون (23) : الآيات 60 الى 61]
(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا) أي يعطون ما أعطوا من الزكوات والصدقات (وَقُلُوبُهُمْ) أي والحال أن قلوبهم (وَجِلَةٌ) أي خائفة أن لا يقبل منهم «6» (أَنَّهُمْ) أي لأنهم (إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ) [60] يعني يوقنون بعثهم بعد الموت للحساب والجزاء، وخبر «إِنَّ الَّذِينَ» (أُولئِكَ) أي الموصوفون بهذه الصفات (يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ) أي في الأعمال الصالحة ويرغبون فيها أشد الرغبة خوفا عن فوتها، وقيل: التسارع في الخيرات التقلل من الدنيا وترك الاهتمام بها «7» (وَهُمْ لَها سابِقُونَ) [61] أي لأجل الخيرات فاعلون السبق لنيلها في الدنيا والآخرة نزل منزلة اللازم بلا تقدير المفعول، وقيل: سابقون الناس لأجلها بتقدير المفعول «8» .
(1) «وَإِنَّ» : قرأ الكوفيون بكسر الهمزة وتشديد النون، والشامي بفتح الهمزة وتخفيف النون، والباقون بفتح الهمزة وتشديد النون - البدور الزاهرة، 219.
(2) تفرقوا، ح ي: فرقوا، و.
(3) نقل المؤلف هذه القراءة عن السمرقندي، 2/ 415.
(4) لهم،+ و.
(5) بالقرآن، و: القرآن، ح ي.
(6) منهم، ح ي:- و.
(7) ولم أجد له أصلا في المصادر التفسيرية التي راجعتها.
(8) أخذ المؤلف هذا المعنى عن الكشاف، 4/ 104.