عيون التفاسير، ج 3، ص: 290
الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ» «1» ، وذلك ما يحصل للسامع من زيادة التصور ليكون أسرع إلى الإنكار لجوف مشتمل على قلبين (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ) ومعنى ظاهر من امرأته قال لها أنت علي كظهر أمي، أي علي حرام كبطن أمي، يعني كفرجها عبر به لقربه من الفرج وكني بالبطن عن الظهر، لأنه قوام البنية وعمودها، والمعنى: ما جعل اللّه نساءهم اللاتي تقولون لهن «2» هذا القول أمهاتكم لكنه قول منكر تجب «3» به عليكم كفارة ذكرت في سورة المجادلة مع سبب نزولها «4» ، ووجه تعدية «تُظاهِرُونَ» ب «من» تضمنه معنى البعد، لأن الظهار كان طلاقا في الجاهلية وكانوا يتجنبون المرأة المظاهر منها كما يتجنبون المطلقة، وقرئ «تظهرون» بتشديدين و «تظاهرون» بتشديد واحد مع الأف «5» ، قوله (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ) نزل في شأن زيد بن حارثة حين تبناه النبي عليه السّلام «6» ، فعم، وال «أدعياء» جمع دعي، فعيل، بمعنى مفعول وهو الذي يدعى ولد أو جمعه على أفعلاء شاذ، لأن القياس أن يجمع عليه ما كان من فعيل بمعنى فاعل كتقي وأتقياء دون رمي ونحوه، أي لم يجعل اللّه الدعي ابنا حقيقة في الحكم والحرمة والنسب كما لم يجعل لرجل من قلبين في جوفه، فنسخ التبني بهذه الآية «7» ، لأنه كان في الجاهلية أن الرجل إذا أعجبه عقل ولد وكياسته وظرافته ضمه إلى نفسه وجعل له مثل نصيب الذكر من أولاده من ميراثه فكان ينسب إليه (ذلِكُمْ) أي النسب (قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) هذا ابني لا حقيقة له (وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ) أي لا يقول إلا ما هو الحق ظاهرا وباطنا (وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ) [4] أي اللّه لا يهدي إلا سبيل الحق وكان زيد يدعى بابن محمد فقال اللّه ما هو الحق وهدى إلى «8» سبيل الحق.
[سورة الأحزاب (33) : آية 5]
(ادْعُوهُمْ) أي انسبوهم (لِآبائِهِمْ هُوَ) أي دعاؤهم بآبائهم (أَقْسَطُ) أي أعدل (عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ) أي فهم إخوانكم، يعني ادعوهم إخوانا (فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ) أي أولياؤكم، يعني إذا جهل نسبه قل يا أخي يا مولاي تريد الأخوة والموالاة في الدين (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُناحٌ فِيما أَخْطَأْتُمْ بِهِ) من التسمية قبل النهي أو النسبة إلى غير أبيه (وَلكِنْ ما تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ) فيه الجناح، أي لا إثم عليكم إذا قلتم يا بني لولد غيركم على سبيل الخطأ ولكن الإثم «9» إذا قلتموه متعمدين، قيل: إن كان معروف النسب لا يثبت نسبه به وإن كان عبدا له عتق وإن كان مجهول النسب وأصغر منه سنا ثبت نسبه منه وكذا إن كان عبدا له ثبت نسبه «10» مع العتق، وإن كان «11» أكبر سنا يعتق عند أبي حنيفة رحمه اللّه ولم يثبت النسب وعند غيره لا يعتق ولا يثبت النسب «12» (وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [5] لعفوه عن الخطأ وعن العمد إذا تاب العامد.
[سورة الأحزاب (33) : آية 6]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلاَّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفًا كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُورًا (6)
(النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ) في كل شيء من أمور الدين والدنيا، أي أرحم بهم (مِنْ أَنْفُسِهِمْ) فيحكم فيهم بما
(1) الحج (22) ، 46.
(2) تقولون لهن، ح و: يقولون بهم، ي.
(3) تجب، وي: يجب، ح.
(4) انظر سورة المجادلة (58) ، 1 - 3.
(5) «تظاهرون» : قرأ المدنيان والمكي والبصريان بفتح التاء المثناة وتشديد الظاء والهاء وفتحها مع حذف الألف بعد الظاء، وقرأ الشامي بفتح التاء وتشديد الظاء وألف بعدها وفتح الهاء مخففة، وقرأ عاصم بضم التاء وتخفيف الظاء وألف بعدها وكسر الهاء مخففة، وقرأ الأخوان وخلف بفتح التاء والظاء والهاء مخففتين وألف بينهما - البدور الزاهرة، 254.
(6) قد نقله المؤلف عن السمرقندي، 3/ 37؛ وانظر أيضا الواحدي، 293.
(7) أخذ المفسر هذا الرأي عن البغوي، 4/ 431.
(8) ما هو،+ ح.
(9) الإثم، ح:- وي.
(10) له ثبت نسبه، ح:- وي.
(11) كان، ح و:- ي.
(12) نقله المصنف عن الكشاف، 5/ 34.