عيون التفاسير، ج 3، ص: 248
فيما افترض عليك (كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسادَ) أي لا تعص بالبغي والظلم (فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [77] وقيل: إن القائل هو موسى عليه السّلام «1» .
[سورة القصص (28) : آية 78]
(قالَ) قارون (إِنَّما أُوتِيتُهُ) أي المال (عَلى عِلْمٍ عِنْدِي) هما ظرفان، الأول حال والثاني صفة له، أي أوتيته مستحقا لما في من العلم، قيل: كان قارون اعلم بني إسرائيل بالتورية «2» ، وقيل: هو علم الكيمياء «3» ، وقيل:
العلم بوجوه التجارة والكسب «4» ، قوله (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ) توبيخ لقارون لأنه كان عالما بحال من تقدمه وهلاكه بغناه وقوته لما قرأ التورية وأخبر به موسى، أي أو لم يعتبر بهلاك من تقدمه بكثرة المال حتى لا يغتر ولا يفتخر بقوته وكثرة ماله، ومحل (مَنْ هُوَ أَشَدُّ) أي أقوى وأغنى (مِنْهُ) أي من قارون (قُوَّةً) بالعدد والعدد (وَأَكْثَرُ جَمْعًا) للمال كنمرود وغيره، نصب، مفعول «أَهْلَكَ» ، ويجوز أن يكون قوله «أَ وَلَمْ يَعْلَمْ» نفيا لعلمه، لأنه ادعى العلم ولم يعلم علما يصون عن نفسه الهلاك، وهو العلم النافع الذي نفى النفوس عن مصارع الهالكين والعلم الذي ادعاه خلاف «5» ذلك (وَلا يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ) [78] أي اللّه عالم بحال المجرمين فلا يسأل عن ذنوبهم يوم القيامة بل تعاقبهم بالنار بلا حساب، ووجه اتصاله بما قبله ظاهر، لأنه لما ذكر قارون أنه ممن أهلك من القرون المجرمين ذكره بعده على سبيل التهديد له، أي اللّه مطلع على ذنوبهم خبير بأعمالهم لا يحتاج إلى سؤالهم «6» عنها بل يأمرهم إلى النار بلا توقف، وقيل: لا يسأل عن ذنوبهم سؤال النجاة بل يسألون سؤال التعذيب «7» .
[سورة القصص (28) : آية 79]
(فَخَرَجَ) قارون يوما (عَلى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ) للعرض على بغلة بيضاء، عليها سرج ذهب ومعه أربعة آلاف على زيه، وقيل: عليهم وعلى خيولهم الديباج الأحمر وعن يمينه ثلثمائة غلام وعن يساره ثلثمائة جارية بيض عليهم الحلي والديباج «8» (قالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا) من المسلمين متمنين مثل ما له على سبيل الرغبة في اليسار كعادة البشر، وقيل: «متمنين إياه ليتقربوا به إلى اللّه وينفقوه في سبيل الخير» «9» (يا لَيْتَ لَنا مِثْلَ ما أُوتِيَ قارُونُ) من المال وهذا هو الغبطة، وقيل: كانوا كفارا «10» (إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ) أي بخت (عَظِيمٍ) [79] في الدنيا.
[سورة القصص (28) : آية 80]
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) وهم الزاهدون في الدنيا العارفون الأشياء كما هي (وَيْلَكُمْ) بالنصب مفعول به، عامله محذوف دعاء بالهلاك في الأصل، استعمل في الزجر والردع عما لا يرتضى، أي نلزمكم ويحكم إن لم ترتدعوا (ثَوابُ اللَّهِ) على الطاعة «11» (خَيْرٌ) أي أفضل (لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحًا) مما أوتي قارون ومثله في الدنيا (وَلا يُلَقَّاها) أي لا يوفق الكلمة التي تكلم بها العلماء أو الثواب لأنه بمعنى الجنة أو السيرة الحسنة، وهي الإيمان والعمل الصالح (إِلَّا الصَّابِرُونَ) [80] على الطاعة عن الشهوات.
(1) أخذ المؤلف هذا الرأي عن الكشاف، 4/ 235.
(2) نقله المفسر عن الكشاف، 4/ 235؛ وانظر أيضا السمرقندي، 2/ 527.
(3) أخذه عن الكشاف، 4/ 235.
(4) اختصره المؤلف من البغوي، 4// 357.
(5) خلاف، ح ي: بخلاف، و.
(6) إلى سؤالهم، وي: إلى سؤال لهم، ح.
(7) نقل المفسر هذا الرأي عن السمرقندي، 2/ 527.
(8) أخذه المؤلف عن الكشاف، 4/ 235.
(9) عن قتادة، انظر الكشاف، 4/ 235.
(10) أخذه عن الكشاف، 4/ 235.
(11) الطاعة، وي: طاعته، ح.