عيون التفاسير، ج 2، ص: 269
مصير المتقين من الشرك والمعصية (وَعُقْبَى) أي ومصير (الْكافِرِينَ النَّارُ) [35] يعذبون فيها أبدا.
[سورة الرعد (13) : آية 36]
(وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ) أي أعطيناهم القرآن أو التورية، وهم الصحابة أو المؤمنون كعبد اللّه بن سلام وأصحابه (يَفْرَحُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) أي يعجبون بذكر الرحمن بسبب الآيات النازلة منه تعالى (وَمِنَ الْأَحْزابِ) الذين تحزبوا على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعداوة ككعب ابن الأشرف وأصحابه والسيد والعاقب (مَنْ يُنْكِرُ بَعْضَهُ) أي بعض القرآن، لأنهم واقفوا في ذكر القصص وبعض الأحكام والمعاني مما هو ثابت في كتابهم غير محرف، وينكرون نعت الإسلام ونعت النبي وما فيه نسخ شرائعهم مما حرفوه، قيل: آمن اليهود بسورة يوسف وكفر مشركوا مكة بجميعه «1» ، فقال تعالى جوابا لمنكري القرآن (قُلْ) يا محمد (إِنَّما أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ) أي أقيم على توحيده (وَلا أُشْرِكَ بِهِ) شيئا وإنكاركم له إنكار لتوحيد اللّه وعبادته مع أنكم تدعون وجوب عبادة اللّه وأن لا يشرك به، والجملة في محل النصب على الحال، أي غير مشرك به (إِلَيْهِ أَدْعُوا) أي إلى اللّه أدعوا الخلق، يعني إلى توحيده ودينه ولا أدعوهم إلى غيره أو إليه أدعو في جميع مهامي (وَإِلَيْهِ مَآبِ) [36] أي مرجعي في كل حال وإن خالفتموني.
[سورة الرعد (13) : آية 37]
(وَكَذلِكَ) أي مثل ما أنزلنا الكتب على الرسل بلغاتهم (أَنْزَلْناهُ) أي القرآن عليك بجبريل (حُكْمًا عَرَبِيًّا) وهو نصب على الحال، أي: والحال أنه حكم بلغة العرب لتحكم به بين الناس وتعرفهم شرائع الإسلام، قيل: جاؤا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم يطلبون أن يوافقهم في الملة أو في القبلة فنزل «2» (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ ما جاءَكَ) أي بعد الذي نزل بك (مِنَ الْعِلْمِ) أن قبلتك نحو الكعبة أو بعد العلم بأنهم كفار (ما لَكَ مِنَ اللَّهِ) أي ليس لك حينئذ من عذابه (مِنْ وَلِيٍّ) أي قريب ينفعك أو ناصر ينصرك (وَلا واقٍ) [37] أي حافظ يحفظك منه، خاطب به النبي عليه السّلام وحرض السامعين من الناس ليتنبهوا به ويتمسكوا بالدين رغبا ورهبا ولا يتزلزلوا بعد الثبات بالحجة عند الشبهة.
[سورة الرعد (13) : آية 38]
قوله (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ) نزل حين اقترحوا على النبي عليه السّلام آية ظاهرة تدل على صدق نبوته وحين عيروه بكثرة الزوجات، وقالوا: لو كان هذا نبيا لشغلته النبوة عن تزوج النساء «3» ، فقال تعالى مجيبا عنهما لقد بعثنا أنبياء قبلك إلى الأمم المتقدمة (وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجًا وَذُرِّيَّةً) من نسائهم وبناتهم وما جعلناهم ملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون، فان داود كان له مائة امرأة «4» ، ولسليمان ثلثمائة امرأة «5» (وَما كانَ لِرَسُولٍ) من الرسل قبلك (أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ) إلى قومه (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي بأمره لا باختياره ورأيه، لأنه عاجز عنه ولأن الشرائع مصالح تختلف باختلاف الأحوال والأوقات، فلا يأتي بها إلا إذا جاء أجلها، ثم بين ذلك بقوله
(1) ولم أجد له أصلا في المصادر التي راجعتها.
(2) اختصره المؤلف من الكشاف، 3/ 109.
(3) عن الكلبي، انظر الواحدي، 231؛ وانظر أيضا السمرقندي، 2/ 197؛ والبغوي، 3/ 361.
(4) أخذه المفسر عن السمرقندي، 2/ 196.
(5) عن الكلبي، انظر السمرقندي، 2/ 196 - وقد مر ذكره في أثناء تفسير قوله «أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنا آلَ إِبْراهِيمَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْناهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا» ، رقم الآية (54) من سورة النساء.