فهرس الكتاب

الصفحة 626 من 1316

عيون التفاسير، ج 2، ص: 332

هذه الأمة فقبلوها، وبورك لهم فيها بمغفرة الذنوب ونزول الرحمة عليهم «1» (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ) أي ليقضي (بَيْنَهُمْ) ببيان الحق معاينة (يَوْمَ الْقِيامَةِ فِيما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) [124] من دين الحق، يعني ليجازيهم جزاء اختلافهم في التحليل والتحريم وتعيين يوم من الأسبوع للعبادة وتعظيم غير ما فرض اللّه عليهم.

[سورة النحل (16) : آية 125]

ثم قال لنبيه عليه السّلام (ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ) أي إلى الإسلام (بِالْحِكْمَةِ) أي بالقرآن والنبوة (وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) أي بالقول اللين الرفيق من غير غلظة ولا تعنيف، قال عليه السّلام: «أمرنا أن أكلم الناس على قدر عقولهم» «2» ، وقيل: الموعظة الحسنة الدعوة إلى اللّه بالترغيب والترهيب «3» (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) أي وخاصمهم وناظرهم بالخصومة التي هي المرضية عند اللّه، وهي أن لا يكون لك فيها غرض من أغراض الدنيا ولا أذى لهم ولا تقصير في تبليغ الرسالة والدعاء إلى الحق، وهذا منسوخ بآية السيف «4» (إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ) أي عن دينه الحق (وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ) [125] أي المستقيمين في الدين.

[سورة النحل (16) : آية 126]

قوله (وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ) نزل بالمدينة في شهداء أحد، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بحمزة وحاله من المثلة السيئة وهي تبقير بطنه وجدع أنفه وأذنه وجب مذاكيره جزعوا جزعا شديدا، وقالوا: لئن ظفرنا بقريش لنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد، ثم رأى النبي عليه السّلام عمه حمزة بحاله التي بها رأوه، فقال: واللّه لئن أظفرني اللّه بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك، فقال اللّه تعالى: إن كنت لا بد فاعلا بموتاهم فافعل بهم مثل ما فعلوا بموتاك، فكف رسول اللّه عليه السّلام عن المثلة وكفر عن يمينه «5» ، قيل: لا خلاف في تحريم المثلة لورود الأخبار بالنهي عنها حتى الكلب العقور «6» ، روي: أنه لم يبق أحد من قتلى أحد من المسلمين إلا وقد مثل به غير حنظلة بن الراهب «7» (وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ) بالعفو على ترك القصاص (لَهُوَ) أي صبركم (خَيْرٌ) في الثواب (لِلصَّابِرِينَ) [126] أي لكم من الانتقام، فقال عليه السّلام:

«بل نصبر عليه ونمسك عن المكافاة» «8» ، قيل: «كان هذا قبل نزول براءة حين أمر النبي عليه السّلام بقتال من قاتله ومنع من الابتداء بالقتال، فلما أعز اللّه الإسلام وأهله ونزلت براءة وأمروا بالجهاد، نسخت هذه الآية «9» .

[سورة النحل (16) : آية 127]

(وَاصْبِرْ) أي دم على الصبر، ففيه عزم عليه بالصبر (وَما صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ) أي بتوفيقه للصبر وربطه على

(1) أخذه عن البغوي، 3/ 457؛ وانظر أيضا السمرقندي، 2/ 255.

(2) ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث المعتبرة التي راجعتها.

(3) نقله عن البغوي، 3/ 458.

(4) أخذه المفسر عن البغوي، 3/ 458؛ وانظر أيضا النحاس، 180؛ وهبة اللّه بن سلامة، 60؛ وابن الجوزي، 42.

(5) اختصره من السمرقندي، 2/ 256؛ والبغوي، 3/ 458؛ والكشاف، 3/ 168.

(6) أخذه عن الكشاف، 3/ 168.

(7) وهذا منقول عن البغوي، 3/ 458.

(8) انظر البغوي، 3/ 458 - ولم أعثر عليه في كتب الأحاديث الصحيحة التي راجعتها.

(9) عن ابن عباس والضحاك، انظر البغوي، 3/ 458؛ وانظر أيضا ابن الجوزي، 42.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت