فهرس الكتاب

الصفحة 938 من 1316

عيون التفاسير، ج 3، ص: 312

[سورة سبإ (34) : آية 9]

(أَفَلَمْ يَرَوْا) أي أعموا فلم ينظروا (إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أي أمامهم (وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) فانهما أمامهم وخلفهم حيث ما كانوا وساروا محيطتان بهم لا يقدرون أن ينفذوا من أقطارهما «1» وأن يخرجوا من ملكوت اللّه ولم يخافوا أن يعذبهم (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ) بالنون وبالياء في الثلاثة «2» (كِسَفًا) بفتح السين وسكونها «3» ، أي قطعة (مِنَ السَّماءِ) لتكذيبهم الآيات وكفرهم بالرسول عليه السّلام وبما جاء به كما فعلنا بقارون وأصحاب الأيكة (إِنَّ فِي ذلِكَ) أي النظر إلى السماء والأرض والفكر فيهما وما يدلان عليه من عظم قدرته ووحدانيته (لَآيَةً) أي لعبرة (لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) [9] أي راجع إلى ربه مطيع له.

[سورة سبإ (34) : آية 10]

ثم أورد قصة داود وسليمان ليعتبر من يسمعها منها فقال (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا) أي ملكا ونبوة أو حسن الصوت والقوة وتليين الحديد وقلنا (يا جِبالُ أَوِّبِي) أي رجعي (مَعَهُ) التسبيح، من الأوب وهو الرجوع وسمي التسبيح تأويبا، لأن المسبح يسبح مرة بعد مرة، وكان داود عليه السّلام إذا سبح سمع تسبيح الجبال ويعقل معناه معجزة له كما سمع موسى النداء من الشجرة وعقل معناه، وكل ذلك بخلق اللّه تعالى فيهما، قوله (وَالطَّيْرَ) بالنصب عطف على محل ال «جِبالُ» بمعنى يا طير أوبي وكانت الطير تؤب «4» معه التسبيح بأصواتها، وفي ذلك من الفخامة من جعل الجبال والطير بمنزلة العقلاء يقبل الطاعة إذا أمروا والإجابة له «5» إذا دعوا أو كان داود ينوح على ذنبه بترجيع وتحزين، وتسعده الجبال بأصداءها والطير بأصواتها (وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) [10] أي جعلناه «6» له لينا كالشمع فلا يحتاج إلى نار ومطرقة ويصرفه بيده كيف يشاء، وقيل: لان الحديد في يده لما أوتي من شدة القوة «7» .

[سورة سبإ (34) : آية 11]

(أَنِ اعْمَلْ) أي قلنا له اعمل (سابِغاتٍ) أي دروعا واسعات، ف «أَنِ» تفسيرية، وهو أول من عملها وكانت قبل صفائح (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) وهو نسج الدروع وتأليفها على قدر الحاجة بلا مجاوزة للحد في شيء منها، أي لا تجعل المسامير دقاقا فيقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق، قال صلّى اللّه عليه وسلم: «كان داود لا يأكل إلا من كسب يده «8» ، وكان يعمل كل يوم درعا ثم كان يبيع الدرع بأربعة آلاف درهم فينفق منها على نفسه وعياله ويتصدق على الفقراء، ثم خاطب اللّه وأهله بقوله (وَاعْمَلُوا صالِحًا إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) [11] أي عالم بعملكم فأجازيكم به كيف يكون.

[سورة سبإ (34) : آية 12]

ثم عطف على داود بتقدير «آتينا» قوله (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ) بالنصب، أي وسخرنا له الريح، وقرئ بالرفع «9» ، أي «10» ولسليمان الريح مسخرة (غُدُوُّها شَهْرٌ) أي جريها بالغداة مسيرة شهر (وَرَواحُها شَهْرٌ) أي

(1) من أقطارهما، وي: من أقطارها، ح.

(2) «إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ» : قرأ الأخوان وخلف بالياء التحتية في الأفعال الثلاثة، والباقون بالنون فيها - البدور الزاهرة، 259.

(3) «كسفا» : فتح حفص السين وأسكنها غيره - البدور الزاهرة، 259.

(4) تؤب، و: يؤب، ح ي.

(5) له، و:- ح ي.

(6) جعلناه، و: جعلنا، ح ي.

(7) نقله المفسر عن الكشاف، 5/ 61.

(8) رواه البخاري، البيوع، 15؛ وانظر أيضا البغوي، 4/ 498.

(9) «الريح» : قرأ شعبة برفع الحاء وغيره بنصبها، وقرأ أبو جعفر بالجمع وغيره بالإفراد - البدور الزاهرة، 259.

(10) أي، و: على، ح ي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت