عيون التفاسير، ج 4، ص: 14
أنه وضع السكين على حلقه فلم يعمل فشحذه مرارا ووضعه عليه فمنعه القدرة الإلهية «1» ، فكان ذلك بمنزلة الذبح الصادق (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [105] أي المطيعين بأمرنا وهو تعليل لإعطائهما الفرج بعد الشدة.
[سورة الصافات (37) : الآيات 106 الى 107]
(إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) [106] أي هذا الذبح هو الاختبار البين لإبراهيم وولده الذبيح وأمه (وَفَدَيْناهُ) أي خلصنا الذبيح ببدل من الذبح (بِذِبْحٍ) بالكسر، أي بكبش (عَظِيمٍ) [107] من الجنة وهو اسم ما يذبح، وبالفتح مصدر، وأسند الفداء إلى السبب الممكن من الفداء بهبته فكأن الفادي إبراهيم عليه السّلام حقيقة لا اللّه، لأنه المفتدي منه لكونه آمرا بالذبح فلا يكون فاديا، والكبش هو الذي قربه هابيل وكان عظيم الجسم فلما ذبحه قال جبرائيل اللّه أكبر، فقال الذبيح لا إله إلا اللّه واللّه أكبر فقال إبراهيم اللّه أكبر وللّه الحمد، فبقي سنة، والفائدة في وضع ذبح الكبش مقام حقيقة الذبح في نفس إسمعيل أن يكمل منه الوفاء بالمنذور وإيجاد المأمور به من كل وجه.
[سورة الصافات (37) : الآيات 108 الى 110]
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ) [108] أي أبقينا على إبراهيم الثناء الحسن وهو (سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) [109] في الأمم الباقين بعده (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) [110] وإنما ترك «إنا» ههنا اكتفاء بذكره مرة.
[سورة الصافات (37) : الآيات 111 الى 112]
(إِنَّهُ) أي إبراهيم (مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ) [111] أي المصدقين بالتوحيد، (وَبَشَّرْناهُ بِإِسْحاقَ) أي بوجوده بعد ما أمرناه بذبح إسمعيل وكان أكبر من إسحق بثلاث عشرة سنة، قوله (نَبِيًّا) حال مقدرة من «إسحاق» ، والعامل فيها الوجود المقدر، أي يوجد نبيا لا فعل البشارة لأنه لم يكن نبيا حينئذ، قوله (مِنَ الصَّالِحِينَ) [112] حال ثانية ذكره لزيادة «2» مبالغة في مدحه، إذ كل نبي صالح، قيل: ومما يدل على أن الذبيح إسمعيل دون إسحق، قوله «فَبَشَّرْناها بِإِسْحاقَ» «3» وقوله «وَمِنْ وَراءِ إِسْحاقَ يَعْقُوبَ» «4» ، فلو كان الذبيح إسحق لكان خلفا للوعد في يعقوب.
[سورة الصافات (37) : آية 113]
(وَبارَكْنا عَلَيْهِ) أي على إبراهيم بتكثير ذريته وأمواله (وَعَلى إِسْحاقَ) ولده وبركته جعله تعالى أكثر العلماء من نسله (وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِما مُحْسِنٌ) أي مؤمن كموسى وهرون وداود وسليمان وعيسى ومن آمن من أهل الكتاب (وَظالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ) [113] أي بين الظلم وهو من كفر بآيات اللّه ولقائه.
[سورة الصافات (37) : الآيات 114 الى 122]
وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ (119) سَلامٌ عَلى مُوسى وَهارُونَ (120) إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (121) إِنَّهُما مِنْ عِبادِنَا الْمُؤْمِنِينَ (122)
(وَلَقَدْ مَنَنَّا) أي أنعمنا (عَلى مُوسى وَهارُونَ) [114] بالنبوة (وَنَجَّيْناهُما وَقَوْمَهُما) بني إسرائيل (مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) [115] أي من الغرق والاستعباد (وَنَصَرْناهُمْ) أي بني إسرائيل (فَكانُوا هُمُ الْغالِبِينَ) [116] بالجنة على فرعون وقومه (وَآتَيْناهُمَا) أي موسى وهرون (الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ) [117] أي المتناهي في بيان الأحكام من الحلال والحرام (وَهَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ) [118] أي ثبتناهما عليه (وَتَرَكْنا عَلَيْهِما فِي الْآخِرِينَ) [119] أي في
(1) اختصره المؤلف من البغوي، 4/ 569.
(2) لزيادة، ح:- وي.
(3) هود (11) ، 71.
(4) هود (11) ، 71؛ نقل المفسر هذا الرأي عن البغوي، 4/ 568.