عيون التفاسير، ج 3، ص: 39
بالطريق الموصل إليه (كَبُرَتْ) أي عظمت مقالتهم وميزت بقوله «1» (كَلِمَةً تَخْرُجُ) أي تظهر بخروج النفس (مِنْ أَفْواهِهِمْ) فيه معنى التعجب «2» ، أي ما أكبرها ووصفها بالخروج من أفواههم استعظاما لجرءتهم على النطق بها وهي قولهم «اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا» (إِنْ يَقُولُونَ) أي ما يقولون (إِلَّا) قولا (كَذِبًا [5] فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ) أي مهلكها (عَلى آثارِهِمْ) أي من بعد ذهابهم عن مجلسك بحال الكفر (إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ) أي بالقرآن (أَسَفًا) [6] مفعول له، أي للأسف، وهو أشد الحزن أو أشد الغضب أو حال من ضمير «باخِعٌ» .
[سورة الكهف (18) : آية 7]
(إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى الْأَرْضِ) أي الذي «3» عليها من النبات والأشجار وزخارف الدنيا (زِينَةً لَها) ولأهلها (لِنَبْلُوَهُمْ) أي لنختبر الناظرين إليها (أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [7] أي أزهد وأشكر في الدنيا وهم كفروا مكان الشكر واغتروا بها مكان الزهد.
[سورة الكهف (18) : آية 8]
وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها صَعِيدًا جُرُزًا (8)
(وَإِنَّا لَجاعِلُونَ ما عَلَيْها) أي إنا لنجعل عند النفخة الأولى ما على الأرض من الزينة والبهجة (صَعِيدًا جُرُزًا) [8] أي أرضا بيضاء يابسا لا نبات فيها ولا ماء ولا حيوان يتحرك فيها.
[سورة الكهف (18) : آية 9]
قوله (أَمْ حَسِبْتَ) نزل حين أرسل أهل مكة خمسة رهط منهم إلى يهود المدينة، وقالوا: سلوهم عن أمر محمد وصفته، فانه يزعم أنه نبي مرسل، فقالت اليهود: سلوه عن قصة أصحاب الكهف وقصة ذي القرنين والروح، فان أخبركم عن القصتين دون الروح، فاعلموا أنه نبي مرسل فاتبعوه، وإلا فهو كاذب، فسألوه، فقال: أخبركم غدا ولم يقل «إن شاء اللّه» ، فرجعوا ولم ينزل عليه جبرائيل إلى ثلاثة أيام في رواية، فقالوا:
ودعه ربه وأبغضه، فشق ذلك على رسول اللّه، فنزل به جبرائيل، فقال: صلّى اللّه عليه وسلم له: يا أخي لم أبطأت علي؟
فقال: أنا عبد مثلك، ما نتنزل إلا بأمر ربك، فلما قرأ عليهم الرسول آية «أَمْ حَسِبْتَ» إلى آخر القصة، قالوا:
هذا ساحر كموسى فلم يصدقوه «4» ، و «أَمْ» بمعنى «بل» والهمزة وهو يقتضي الاستفهام قبله لفظا أو تقديرا، فتقديره: أحسبت أن ذلك المذكور من الآيات، أي تزيين الأرض بما ذكرنا، ثم جعلنا إياه كله كأن لم يكن قط أعجب من قصة أصحاب الكهف أم حسبت «5» ، أي بل ظننت وعلمت بالقرآن (أَنَّ أَصْحابَ الْكَهْفِ) أي الغار الواسع (وَالرَّقِيمِ) اسم كلبهم أو لوح كتب فيه أسماؤهم على باب الكهف ليقف من بعدهم على خبرهم أو هو اسم للجبل «6» الذي فيه الكهف (كانُوا مِنْ آياتِنا عَجَبًا) [9] أي آية عجيبة، يعني عجب منها «7» ، ومحل «مِنْ آياتِنا» حال من «عَجَبًا» ، قدم عليه، قيل معناه: أنهم ليسوا بأعجب من آياتنا «8» ، فمعنى «أَمْ حَسِبْتَ» أن ما خلقنا من السموات والأرض وما فيهن «9» من العجائب أعجب منهم، والأول أقرب، لأن الإضراب عن الكلام الأول إلى الكلام الثاني إنما يحسن إذا كان الثاني أغرب وأحسن ليحصل الترقي.
[سورة الكهف (18) : آية 10]
(إِذْ أَوَى) أي اذكر إذ دخل (الْفِتْيَةُ) جمع فتى، وهو الشاب الكامل (إِلَى الْكَهْفِ) ليجعلوه مأوى لهم خوفا على دينهم من قومهم الكفرة (فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ) أي من خزائن رحمتك (رَحْمَةً) أي مغفرة وأمنا من
(1) بقوله، ح، ي: لقوله، و.
(2) التعجب، وي: التعجيب، ح.
(3) أي الذي، ح ي: الذي، و.
(4) عن عباس، انظر السمرقندي، 2/ 290.
(5) أم حسبت، ح و: حسبت، ي.
(6) للجبل، وي: الجبل، ح.
(7) يعني عجب منها، وي:- ح.
(8) أخذه عن البغوي، 3/ 541.
(9) فيهن، وي: فيها، ح.