عيون التفاسير، ج 3، ص: 44
(سَيَقُولُونَ) الضمير فيه لمن خاض في قصتهم من أهل الكتاب السيد والعاقب وأصحابهما من نصارى أهل نجران، فانهما اختلفا مع المؤمنين في عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، فسأل المؤمنون خبرهم عن النبي عليه السّلام، فأخر الجواب إلى أن يوحى إليه «1» فيهم، فنزل الآية إخبارا بما سيجري بينهم من تنازعهم في عدد الفتية بأن يعضهم يقولون، يعني السيد وأصحابه: هم (ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَ) بعضهم (يَقُولُونَ) يعني العاقب وأصحابه: هم (خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ) أي ظنا به أو رميا بالخبر الخفي من غير يقين (وَ) بأن المصيبين منهم، يعني المؤمنين هم الذين (يَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) اسمه قطمير أو فرفرين، ولونه خلنج أو أبلق «2» ، روي:
أنه يكون معهم في الجنة «3» ، وأدخل السين في الفعل الأول دون الآخيرين اكتفاء بعطفهما عليه، فيدخلان في حكم السين، والواو في «وَثامِنُهُمْ» ، قيل: هي الواو الداخلة على الجملة الواقعة صفة للنكرة، وفائدتها تأكيد لصوق الصفة بالموصوف والدلالة على أن اتصافه بها أمر ثابت متحقق والإيذان بأن هذا العدد المذكور بعدها هو الحق خاصة دون العددين قبله «4» ، والذين قالوه لم يرجموا بالظن بل قالوه عن علم وطمأنينة نفس، ويدل عليه قوله في الأولين «رَجْمًا بِالْغَيْبِ» ، وفي الأخير (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) من الناس، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: «أنا من القليل» «5» (فَلا تُمارِ فِيهِمْ) أي فلا تجادل يا محمد في أهل الكهف مع أهل الكتاب (إِلَّا مِراءً ظاهِرًا) أي جدالا ظهر لك بالوحي ولا تزد عليه من تجهيل وتعنيف بهم في الرد عليهم (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا) [22] أي لا تطلب الفتوى في أهل الكهف من أحد من اليهود، لأنك عالم بحالهم، فلا تسألهم سؤال استرشاد، لأن اللّه تعالى قد عرفك الحق منهم بالوحي إليك ولا سؤال تعنت لأحد منهم، لأنه خلاف المداراة به بأن يقول شيئا فترده عليه.
[سورة الكهف (18) : آية 23]
(وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ) أي لأي شيء تعزم عليه (إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ) الشيء (غَدًا) [23] أي فيما يستقبل من الزمان ولم يرد الغد خاصة.
[سورة الكهف (18) : آية 24]
إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَدًا (24)
قوله (إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) استثناء من النهي لا من قوله «إِنِّي فاعِلٌ» ، أي لا تقولن أفعل ذلك في حال إلا ملتبسا بمشية اللّه، أي قائلا إن شاء اللّه، وقيل معناه «6» : إلا بأن «7» يأذن لك اللّه فيه، وهذا نهي تأدب له، نزل حين قال لهم ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن «8» ، وقد ذكرناه آنفا (وَاذْكُرْ رَبَّكَ) أي مشية ربك أو معناه: قل إن شاء اللّه واذكره بالتسبيح والاستغفار (إِذا نَسِيتَ) كلمة الاستثناء، ثم تنبهت عليها أو اذكره إذا نسيت شيئا ما لتذكره «9» ، وأكثر الفقهاء لا يجوز الاستثناء حتى يكون متصلا، وقيل: «يجوز إلى سنة» «10» ، وهو قول ابن عباس «11» ، وقيل: «ما دام في المجلس» «12» ، وهو قول الحسن رضي اللّه عنه، قوله (وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ) بيان لقوله «وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ» ، يعني اذكر «13» ربك عند نسيان شيء أن تقول عسى أن يرشدني ربي إلى شيء آخر بدل المنسي
(1) إليه، ح و: إليهم، ي.
(2) وقال ابن كثير: «وقد ذكر كثير من القصاص والمفسرين لهذا الكلب نبأ وخبرا طويلا أكثره متلقى من الإسرائيليات، وكثير منها كذب ومما لا فائدة فيه كاختلافهم في اسمه ولونه» - انظر البداية والنهاية، 2/ 105 - وقال في تفسيره: «وقد تقدم عن شعيب الجبائي أن اسم كلبهم حمران، وفي تسميتهم بهده الأسماء واسم كلبهم نظر في صحته، واللّه أعلم، فان غالب ذلك متلقى من أهل الكتاب - - - فان الأمر في معرفة ذلك لا يترتب عليه كبير فائدة» - انظر تفسير القرآن العظيم، 5/ 144.
(3) أخذه المؤلف عن السمرقندي، 2/ 295.
(4) اختصره المفسر من الكشاف، 3/ 203.
(5) انظر البغوي، 3/ 559.
(6) وقيل معناه، وي: يعني، ح.
(7) بأن، ح و: أن، ي.
(8) نقله المفسر عن الكشاف، 3/ 204.
(9) لتذكره، ح و: ليذكره، ي.
(10) انظر البغوي، 3/ 560.
(11) وهو قول ابن عباس، و:- ح ي.
(12) انظر البغوي، 3/ 560.
(13) اذكر، ح ي: ذكر، و.