مكة سميت مكة لجذب الناس إليها، والبصرة سميت بصرة للحجارة البيض الرخوة بها، والكوفة سميت الكوفة لازدحام الناس بها، من قولهم: قد تكوف الرمل تكوُّفًا إذا ركب بعضه بعضًا، والإنسان سمي إنسانًا لنسيانه، والبهيمة سميت بهيمة لأنها أُبْهِمَت عن العقل والتمييز، من قوله: أمر مبهم إذا كان لا يعرف بابه، ويقال للشجاع: بهمة؛ لأن مقاتله لا يدرى من أي وجه يوقع الحيلة عليه" [1] ."
فهذا النص دليل على أنّ الأسماء كلها لعلة، وأنّ الأسماء لم تطلق على المسميات هكذا جزافا أو عشوائيا، دونما سبب أو اعتبار، وإلا فقدت اللغة تماسكها. وفي هذا النص دليل على أنّ تعليل التسمية وسيلة من وسائل كشف النقاب عن معاني كثير من الألفاظ، فابن الأعرابى أبرز علة التسمية لبعض الألفاظ، ولكنه غمض عليه ملحظ التسمية أو المآخذ الاشتقاقي لبعضها الآخر [2] .
وقد كان العربي يراعي في إطلاقه الاسم على المسمى علة أو ملحظًا متحققًا في الشيء لفت انتباهه، هو أن هذا الاسم لابد أن يكون مشتقًا من جذر أو تركيب دال على المعنى الذي لفت انتباه العربي في المسمى [3] .
ومما يؤكد حصول العلة عند التسمية هو أن العرب - قديما - كانوا يسمون أبناءهم لعلل ارتَأَوْها وأسباب ارتضَوْها، فكانوا يسمون أبناءهم بأبشع الأسماء وأغلظها، في الوقت الذي يحسنون فيه اختيار أسماء عبيدهم ومواليهم، فلما سُئِلَ عن ذلك قيل: لأنها سمّت أبناءها لأعدائها، وعبيدها لأنفسها [4] .
(1) ينظر: المزهر للسيوطي (1/ 315،314) ، وينظر: دراسات في فقه اللغة د: صبحى الصالح (1/ 306) .
(2) ينظر: من صور الاشتقاق (38،37) .
(3) ينظر: من قضايا فقه اللسان د: الموافي الرفاعى البيلى الطبعة الثانية 1423 هـ: 2002 م (83) ، وينظر: تعليل التسمية في المصباح المنير تأصيل وتحقيق د: نور حامد الشاذلى، الطبعة الأولى 1995 م (19) .
(4) ينظر: الاشتقاق لابن دريد تحقيق: عبدالسلام هارون - ط مكتبة المثنى - بغداد - د. ت (4) .