في قوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا} سورة الفرقان: من الآية رقم (21) .
جاء في تفسير الحاوي، قال العز بن عبدالسلام [1] :"قوله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا} معناه: لا يخافون لقاءنا. قال الفراء: لا يستعمل الرجاء بمعنى الخوف إلا في النفي. وقال غيره: يستعمل مطلقًا، والاستقراء يمنعه" [2] .
في هذا القول فسر العز بن عبدالسلام لفظ (الرجاء) بـ (الخوف) ، ونقل عن الفراء [3] أنه لا يستعمل بمعنى الخوف إلَّا في النفي، ونقل - أيضًا - استعماله بمعنى الخوف مطلقًا، ثم عقَّب بأن استقراء أقوال العلماء يمنع استعماله بمعنى الخوف مطلقًا، والشاهد هنا استعمال الرجاء الذي بمعنى الأمل بمعنى الخوف الذي هو ضده، فيكون الرجاء من الأضداد، فهو مشترك بين الأمل والخوف أي: يستعمل في المعنيين معًا، وباستقراء أقوال العلماء تبين الآتي:
نص كثير من أصحاب كتب الأضداد على أن لفظ الرجاء من الأضداد، من ذلك قول ابن الأنباري:"قيل راجٍ للطّمِع في الشَّيْء، وراجٍ للخائف، لأَنَّ الرجاءَ يقتضي الخوفَ إذْ لم يكن صاحبُه منه على يقين" [4] .
ومن بين تلك المعاني المتضادة التي يذهب إليها لفظ الرجاء الشك واليقين - عند بعض العلماء - وردُّه ابن الأنباري، كما في قوله:"وقال أهل اللغة: رجوت حرف من الأضداد يكون بمعنى الشك والطمع، ويكون بمعنى اليقين. فأما معنى الشك والطمع فكثير لا يحاط به، ومنه قول كعب بن زهير [5] :"
أرْجُو وَآمُلُ أنْ تَدْنُوْ مَوَدَّتُهَا ... وَمَا إخَالُ لَدَيْنَا مِنْكَ تَنْوِيلُ [6]
معناه: وما لدينا منك تنويل، وإخال لغو.
وإما معنى العلم فقوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا} [سورة الكهف: من الآية: 110] .
معناه: فمن كان يعلم لقاء ربه فليعمل عملا صالحا. وقولهم عندي غير صحيح، لان الرجاء، لا يخرج أبدا من معنى الشك، أنشدنا أبو العباس:
فوا حزني ما أشبه اليأس بالرجا ... وإن لم يكونا عندنا بسواء [7]
والآية التي احتجوا بها لا حجة لهم فيها، لأن معناها: فمن كان يرجو لقاء ثواب ربه، أي يطمع في ذلك ولا يتيقنه. وقال سهل السجستاني: معنى قوله: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ} [سورة الكهف: الآية:110] . فمن كان يخاف ربه. وهذا عندنا غلط، لأن العرب لا تذهب بالرجاء مذهب الخوف إلا مع حروف الجحد ..." [8] ."
(1) فوائد في مشكل القرآن (201) .
(2) الحاوي في التفسير (النسخة المطورة) (142/ 386) .
(3) ينظر: معاني القرآن للفراء (1/ 286) .
(4) الأضداد لابن الأنباري (9) ، وينظر: ثلاث كتب في الأضداد (23 و 24) والأضداد لابن السكيت (87) والأضداد للسجستاني (89) والأضداد للصغاني (93) .
(5) هو كعب بن زهير بن أبي سلمى، المازني، شاعر عالي الطبقة من أهل نجد، كان ممن اشتهر في الجاهلية. توفي سنة (26 هـ) ينظر: خزانة الأدب (4/ 11) ، والاعلام (6/ 81) .
(6) البيت من بحر البسيط، وهذه رواية جمهرة أنساب العرب: لأبي زيد محمد بن أبي الخطاب القرشي (المتوفي: 170 هـ) حققه وضبطه: علي محمد البجادي الناشر: نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع. د. ت. (638) والرواية في الديوان:
آرجو وآمل أن يعجلن في أبدٍ ... * وما لهن طوال الدهر تعجيل
ينظر: ديوان كعب بن زهير: حققه وشرحه وقدم له الأستاذ علي عافور، دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان - 1997 م (62) .
(7) البيت من بحر الطويل، بعد البحث عليه في مظانه الأصيل ولما أجده، قمت بتوثيقه من كتاب الأضداد لابن الأنبارى (17) .
(8) الأضداد: (9) وما بعدها.