وذكر الإمام الزمخشري في أساس البلاغة أن الكلمة تدل على الميل:"تحنف إلى الشيء إذا مال إليه، ومنه قيل لمن مال عن دين اعوج: هو حنيف، وله دين حنيف" [1] .
وفي ضوء ما سبق يتبين للبحث أن دلالة هذا اللفظ في الأصل (الميل) ، هو الذي جعل العلماء يعدونه من الأضداد، لأن الميل إن كان من الخير إلى الشر، فهو مائل إلى الشر، وإن كان من الشر إلى الخير، فهو مائل إلى الخير، وبذلك يكون مستقيما، فدلالة الاستقامة مقرونة بالميل من الشر إلى الخير، ولذلك وُصف سيدنا إبراهيم - عليه السلام - بالحنيف لأنه مال عن دين آبائه إلى ملة الإسلام وكان ميله هذا استقامة على دين الله فهو مائل في نظر قومه عن دينهم وإن كان مستقيمًا على الإسلام.
ومما يستأنس به هنا قول ابن فارس:"الْحَاءُ وَالنُّونُ وَالْفَاءُ أَصْلٌ مُسْتَقِيمٌ، وَهُوَ الْمَيَلُ. يُقَالُ لِلَّذِي يَمْشِي عَلَى ظُهُورِ قَدَمَيْهِ أَحْنَفُ. وَقَالَ قَوْمٌ - وَأَرَاهُ الْأَصَحَّ - إِنَّ الْحَنَفَ اعْوِجَاجٌ فِي الرِّجْلِ إِلَى دَاخِلٍ. وَرَجُلٌ أَحْنَفُ، أَيْ مَائِلُ الرِّجْلَيْنِ، وَذَلِكَ يَكُونُ بِأَنْ تَتَدَانَى صُدُورُ قَدَمَيْهِ وَيَتَبَاعَدَ عَقِبَاهُ. وَالْحَنِيفُ: الْمَائِلُ إِلَى الدِّينِ الْمُسْتَقِيمِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران: 67] " [2] .
وبناء عليه فإنَّ هذا اللفظ يدل على معنيين متضادين، الأول هو الميل والثاني: الاستقامة.
(1) أساس البلاغة (1/ 202) .
(2) مقاييس اللغة (2/ 110 و 111) (حنف) .